3 -ضمان استرداد رأس المال
أما النقطة الثالثة، فإن جميع الصكوك المصدرة اليوم تضمن رد رأس المال إلى حملة الصكوك عند إطفائها مثل السندات الربوية سواء بسواء، وذلك بتعهد ملزم إما من مصدر الصكوك أو من مديرها أنه سيشتري الأصول التي تمثلها الصكوك بقيمتها الاسمية التي اشتراها بها حملة الصكوك في بداية العملية، بقطع النظر عن قيمتها الحقيقية أو السوقية في ذلك اليوم. وبهذه الآلية المركبة استطاعت الصكوك أن تحمل خصائص السندات الربوية من حيث إنها لا تعطي حملة الصكوك نسبة معينة من رأس المال مبنية على سعر الفائدة، وفي الوقت نفسه تضمن لحملة الصكوك استرداد رأس مالهم في نهاية العملية. ولنتكلم عن هذا التعهد والموقف الفقهي منه.
والحقيقة هي أن الأصل في العمليات التجارية الحقيقية في الشريعة أن لا يُضمن فيها استرداد رأس المال، فإنّ غُنْم الربح الحقيقي في الشريعة الإسلامية يتبع الغُرْم دائمًا، فكان الأصل في الصكوك التجارية أن لا يُضمن فيها رأس المال لحملتها، بل إنهم يستحقون القيمة الحقيقية للأصول، سواء أزادت من قيمتها الإسلامية أم نقصت.
ولكن الصكوك الرائجة اليوم كلّها تضمن رأس المال لحملة الصكوك بطريق غير مباشر. وهو أن مدير العمليات يتعهد تجاه حملة الصكوك أنه سيشتري الأصول التي تمثلها الصكوك بالقيمة الاسمية عند نهاية مدتها، بقطع النظر عن قيمتها الحقيقية يومئذ. ومعنى ذلك أن حملة الصكوك يرجع إليهم عند إطفاء الصكوك رأس مالهم مضمونا، لا غير فإن كان المشروع أصيب بخسران، فإنه يتحمله المدير، وإن كان فيه ربح فإنه يحوزه المدير بالغًا ما بلغ. ولاحق لحملة الصكوك إلا في استرداد رأس مالهم كما في السندات الربوية.
ولكن هل يجوز ذلك؟
ان مدير العمليات يقوم بإدارتها تارة بصفته مضاربًا وأخرى بصفته شريكًا وثالثةً بصفته مستأجرًا ومؤجرًا للآخرين ورابعة بصفته وكيلًا أو وسيطًا في الاستثمار. فهل يمكنه ضمان رأس المال أو (القيمة الاسمية للصكوك) ؟
وقبل كل شيء يجب التفريق بين هذا الضمان وبين ضمان المال على تقدير تلفه فهما أمران مختلفان، وقد قلنا إن المدعى إن اصل المال إذا تلف فالمفروض عدم ضمانه والمطلوب ضمان القيمة الاسمية للمال الموجود.
شرط الضمان في فقه المذاهب الأربعة:
وقد نقل الشيخ العثماني عدم جواز اشتراط الضمان في جميع الفروض هنا. وهذا ما بدا لي إجمالا وأنا أستعرض الآراء، فإنهم لم يجيزوا إلا في موارد معينة، من قبيل:
ـ ما جاء في المدونة الكبرى، عن الفقهاء السبعة أنهم كانوا يقولون «الغسال والحناط والصواغ وأصحاب الصناعات كلهم ضامنون لما دفع إليهم» [1] ، وعن عمر (رض) أنه كان يضمن الصناع الذين في الأسواق وانتصبوا للناس ما دفع إليهم. [2]
ـ وجاء في بداية المجتهد قوله «والضمان عند الفقهاء على وجهين بالتعدي أو لمكان المصلحة وحفظ الأموال» . [3]
ـ وجاء في الموسوعة الكويتية أن بعض الشافعية أجازوا اشتراط الضمان على الأجير الخاص كالأجير المشترك لقول الشافعي: الأجراء سواء وذلك صيانة
(1) نقلًا عن المصادر الفقهية ج 28 ص 233.
(2) نقلًا عن المصادر الفقهية ج 28 ص 249.
(3) نقلًا عن المصادر الفقهية ج 28 ص 347.