فهرس الكتاب
على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو و من يأمر بالعدل و هو على صراط مستقيم"\ سورة النحل، الآية 76\. لعل من أعظم ما تفيده الآية الكريمة أن الاستشارة لا تكون مثمرة إلا إذا ساد في المجتمع جو حرية التعبير عن الرأي، و لا تكون فعالة إلا إذا ربي الناس على معاني التعبير الحر. بيان ذلك أن المستبد قد يلجأ إلى الاستشارة في أحوال ضعفه و عجزه فتكون غير مثمرة و لا مفيدة لأنه سبق له أن عود أهله و محكوميه على الاستبداد بكل ما يعنيه من كتم لحرية الناس الفكرية، و من قتل لجرأتهم في الحق، ومن اغتصاب لحقهم في التصريح و التعبير عنه. كما أنه على قدر ما تضيق هوامش القهر والكبت يعطي فعل الاستشارة الذي أمرنا به في قوله تعالى:"وشاورهم في الأمر"\ سورة آل عمران، جزء من الآية 159\ ثماره المرجوة. إن الشورى، و بغض النظر عن الاشتقاق اللغوي لهذه الكلمة، هي في نهاية المطاف إبداء جريء و مؤسس للرأي، و تعبير حر ومسؤول عنه. و هنا يجد المشاور و المستشار نفسيهما إزاء أكثر من رأي حر، و إزاء أكثر من فكر جريء و مبني فيكون عندئذ التداول، و النقاش، و الحوار، فيفضي كل ذلك إلى الاختيار المفضي إلى ما يقدره الجميع أو الأغلبية أنه صواب [1] . و لهذا لما استشار فرعون قومه كما يحكي كتاب الله عز و جل كانت النتائج كارثية على فرعون و قومه."فماذا تأمرون".\ سورة الأعراف، جزء من الآية 109\ أما عندما استشارت بلقيس، و كان جو الحرية مسيطرا سلفا، أفضت الاستشارة إلى النتائج و الثمار المرجوة والمطلوبة. قال تعالى:"قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون".\ سورة النمل، الآية 32\."
منها الجرأة المؤسسة في الحوار لأنه مبني على الدليل لقوله تعالى:"و إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي و يميت قال أنا أحيي و أميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فات بها من المغرب فبهت الذي كفر"\ سورة البقرة، الآية 257\. هذا حوار بين نبي مرسل و حاكم مستبد برأيه و بسلطته. و نحن هنا إزاء نوعين من الجرأة: الأولى جرأة مؤسسة على الاستبداد و لا يسندها دليل صحيح، و إنما يسندها السلطان السياسي والاستبداد الفكري. و الثانية جرأة مؤسسة على الحوار الحر، و يعضدها دليل صحيح دفعت الخصم إلى السكوت"فبهت الذي كفر". و لهذا شجعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحرية في التعبير المستقل عن الرأي فقال:"لا يكن أحدكم إمعة".
و منها أن الله تعالى جعل من حق المظلوم الجهر بالسوء حتى يدفع ظلم الظالمين ويرد عدوان المعتدين. من حق المظلوم أن يصرح ويصرخ، ومن حقه أن يجهر و لو بالسوء في وجه من ظلمه لقوله تعالى:"لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم و كان الله سميعا عليما"\ سورة النساء، الآية 14\
و منها أن الرسول صلى الله عليه و سلم جعل التعبير الحر عن الرأي من الواجبات الإسلامية. روي عنه انه قال:"أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر أو أمير جائر" [2] .
لم يقابل الرسول صلى الله عليه و سلم الاعتراضات عليه و على دعوته، بما فيها الاعتراضات التي هي من قبيل الطعن و اتهام الذمة و التي تتجاوز حدود اللباقة، لم
(1) معنى الشورى، كما قال البعض:"تقليب الآراء المختلفة و وجهات النظر المطروحة في قضية من القضايا و اختبارها من أصحاب العقول و الأفهام حتى يتوصل إلى الصواب منها أو إلى أصوبها و أحسنها ليعمل به حتى تتحقق أحسن النتائج". محمد عبد القادر أبو فاؤس، حكم الشورى في الإسلام و نتيجتها، عمان، دار الفرقان، 1988م، ص: 10
(2) أخرجه أبو داود في الملاحم، باب الأمر و النهي، رقم 3781. و الترمذي بصيغة:"إن من أعظم الجهاد كلمة عدل عمد سلطان جائر"، باب ما جاء في أفضل أعظم الجهاد كلمة عدل عمد سلطان، رقم الحديث 2100. و ينظر أيضا سنن النسائي، باب فضل من تكلم بالحق عند سلطان جائر، رقم الحديث 4138، و سنن بن ماجة، باب: المر بالمعروف و النهي عن المنكر، رقم الحديث 4001. و مسند أحمد، رقم الحديث 10716.