الصفحة 22 من 35

يقابلها صلى الله عليه و سلم بالامتعاض و بإظهار التألم. ولم يهم صلى الله عليه و سلم إلى العقاب حتى لا يرهب الناس [1] و يستعبدهم، و لهذا شجعهم على الجرأة في النقد البناء و المحاسبة المستمرة [2] . و بذلك عالج الكبت كعائق يعوق دون حرية الناس في التعبير عن آرائهم. لقد بين القرآن المجيد ما لهذا العائق من خطورة على المجتمع، إذ تسود من خلاله عقلية الجمود التي تؤدي بدورها إلى مخاطر و كوارث، كما في قوله تعالى:"و لقد أخذنا آل فرعون بالسنين و نقص من الثمرات لعلهم يتذكرون فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه و إن تصبهم مصيبة يطيروا بموسى و من معه ألا إنما طائرهم عند الله و لكن أكثرهم لا يعلمون"\ سورة الأعراف، الآية 130_131\

و الحق أنه على قدر انتشار حرية التعبير عن الرأي في المجتمع يكون اهتمام الناس بشؤون مجتمعهم. صحيح إن الانتساب إلى المجتمع الإسلامي متوقف على مدى و نوع الانشغال بقضاياه و همومه المختلفة لقوله صلى الله عليه و سلم:"من لم يهتم بأمور المسلمين فليس منهم"، و لكن صحيح أيضا أن استمرارية هذا الاهتمام و نجاعته، بل ونجاحه متوقف على مدى رسوخ حرية التعبير عن الرأي في المجتمع. و هكذا نشأ في البيئة الإسلامية الأولى جو عام يساعد كل فرد يعيش بين جنباتها على أن يعبر عن آرائه، و هو يتمتع بجرعات كافية من الحرية في التعبير، كما توفر لهذا الفرد مقادير مناسبة من الجرأة على التصريح بآرائه. لننظر كيف قدم كل واحد من المسلمين رأيه في نازلة الإفك بكل حرية في التعبير. عن عائشة قالت:"لما ذكر في شأني ما ذكر و ما علمت به، قام رسول الله صلى الله عليه و سلم في خطيبا، فتشهد فحمد الله و أثنى عليه بما هو أهله. ثم قال:"أما بعد أشيروا علي في أناس أبنوا أهلي، و أيم الله ما علمت على أهلي من سوء، وأبنوهم بمن. و الله ما علمت عليه من سوء قط، و لا يدخل بيتي قط إلا و أنا حاضر، ولا غبت قي سفر إلا غاب معي" [3] ."

لقد رسخ النبي صلى الله عليه و سلم لجو حرية التعبير في بيئته و في محيطه. رسخ ذلك أولا عندما جعل من الاهتمام بأمور المسلمين مظهرا من مظاهر الانتماء الصحيح للمجتمع الإسلامي لقوله:"من لم يهتم بأمور المسلمين فليس منهم" [4] . و لا يكون الاهتمام إلا إذا تحمل الجميع مسؤوليته في التعبير الحر عن رأيه في هذه المسألة أو تلك. و رسخ صلى الله عليه و سلم ذلك ثانيا عندما جعل النصيحة موازية للدين الإسلامي في قوله:"الدين النصيحة لله و لرسوله و لأئمة المسلمين و عامتهم". و رسخ ذلك ثالثا عندما طلب مشورة أصحابه، و طلب رأيهم في قتال أهل بدر و في أسراهم وفي معركة أحد و في غيرها من المسائل. و رسخ ذلك رابعا في إحقاقه حق المراجعة

(1) يراجع أمثلة لذلك عبد المتعال الصعيدي، حرية الفكر في الإسلام، القاهرة، مصر، دار الفكر العربي، الطبعة الأولى، بدون تاريخ، ص: 46_47 و محمد نبيل كظم، كيف مدرب أبناءنا على حرية التعبير، القاهرة، دار السلام، الطبعة الولى، 2006م، ص: 79.

(2) من ذلك ما رواه أبو سعيد الخدري ان علي بن أبي طالب بعث إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم بذهيبة في اديم مقروط لم تحصل من ترابها، فقسمها بين أربعة نفر ... فقال رجل من أصحابه: كنا نحن أحق بهذا من هؤلاء. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه و سلم فقال: ألا تأمنونني، و أنا أمين في السماء، يأتيني خبر السماء صباحا و مساء. فقام رجل غائر العينين، مشرف الوجنتين، ناشز الجبهة، كث اللحية، محلوق الرأس، مشمر الإزار. فقال: يا رسول الله، اتق الله، فقال له: ويلك أو لست أحق أهل الأرض أن يتقي الله؟ ثم ولى الرجل. فقال خالد بن الوليد: يا رسول الله، ألا أضرب عنقه؟ فقال له: لا، لعله أن يكون يصلي. فقال خالد: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه. فقال له: إني لم أومر أن أنقب قلوب الناس. و لا أشق بطونهم.

يراجع أمثلة أخرى في الصعيدي عبد المتعال، حرية الفكر في الإسلام، ص: 46 و ما بعدها.

(3) صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب"عن الذين يحبون ان تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا و الآخرة و الله يعلم و انتم لا تعلمون و لولا فضل الله عليكم و رحمته و أن الله رءوف رحيم"، رقم الحديث 11. و ينظر أيضا صحيح مسلم، كتاب التوبة، باب: في حديث القذف و قبول توبة القاذف، رقم 57.

(4) حديث ضعيف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت