الصفحة 23 من 35

مع المتلبس بفعل قول أو فعل: هل هو صواب أو خطأ؟ و هل هو صواب أو أصوب؟. و كتب السيرة و السنة طافحة بالأمثلة والشواهد المتعددة على ذلك. بكل ذلك الترسيخ نفهم كيف نشأ المسلمون الأولون في جو من الصراحة إلى أن سيطر عليهم التحجير و الوصاية. و يروى أن عبد الملك بن مروان هو أول من حجر معارضة الخليفة في حال الخطبة في قصة وقعت [1] .

لم يحرمهم رسول الله صلى الله عليه و سلم من"حق طلب الكلمة"." [2] . و حق طلب الكلمة كان راسخا _ كما بينا _في التربية النبوية التي أشاعها النبي صلى الله عليه و سلم بين أصحابه، حتى حق لعمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يطلق تلك الصيحة المدوية في أبد الدهر، إذ صاح في وجه عمرو بن العاص:"متى استعبدتم الناس و قد ولدتهم أمهاتهم أحرارا" [3] . لقد قال رجل له يوما:"اتق الله يا عمر"ز فقال أحد أعوانه: ألمثل هذا أمير المؤمنين يقال مثل هذا الكلام. فأجاب عمر:"لا خير فيكم إن لم تقولوها، و لا خير في إن لم أسمعها" [4] . و قد بلغت الجرأة و حرية التعبير عنها بالنساء أن اعترضت بعضهن على إجراء عمر بن الخطاب بتخفيض مهورهن، فقالت:"ليس لك ذلك يا عمر لأن الله تعالى لم يضع حدا أقصى لمهر المرأة في قوله تعالى:"و آتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتخذونه بهتانا و إثما مبينا"\ سورة \. فقال عمر:"أصابت امرأة و أخطا عمر" [5] .

عندما تخنق حرية التعبير عن الرأي فإنه يؤثر تأثيرا سلبيا على الذهنيات و أساليب التفكير، فلا يعود الفكر الإنساني متعاملا تعاملا موضوعيا مع المعطيات، و إنما يتعامل معها من خلال التأثر بمقولات المحيط، كما يفكر فيها بواسطة التبعية للبيئة الاستبدادية. و لهذا، و سعيا لعدم الوقوع بين براثن هذه التبعية و ذلك التأثر السلبي، ضمن الرسول صلى الله عليه و سلم في سنته و سيرته لأصحابه: أولا الحرية في التعبير عن آرائهم و أفكارهم و اجتهاداتهم، و فتح لهم بعد ذلك ثانيا أبواب التحاور في المشاكل التي تعترضهم [6] ، إذ لا حوار بدون أن يدرك المتحاورن إدراكا تاما بأنهم أحرار في التعبير عن ذاتهم. و انطلاقا من هذا الإدراك ثمة علاقة متبادلة بين حرية التعبير عن الرأي و النهوض بواجب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر لقوله صلى الله عليه و سلم:"إذا عجزت أمتي عن أن تقول للظالم يا ظالم فقد تودع منها". و عن أبي هريرة أن أعرابيا قال للرسول صلى الله عليه و سلم:"احمل لي على بعيري هذين فإنك لا تحمل لي من مالك و لا من مال أبيك". فأجابه الرسول صلى الله عليه و سلم:"لا، و أستغفر الله"و كررها ثلاثا، و دعا رسول الله صلى الله عليه و سلم رجلا و طلب منه أن يحمل بعير الأعرابي شعيرا و تمرا [7] .

(1) راجع الحباب بن المنذر رسول الله صلى الله عليه و سلم يوم بدر حين نزل بالجيش أدنى ماء من بدر. فقال الحباب: أهذا منزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه أم هو الرأي و الحرب و المكيدة إلى أن قال له رسول الله:"لقد أشرت بالرأي". ينظر ابن عاشور، أصول النظام الاجتماعي ص: 176.

(2) و هو لعمري، الخطوة الأولى في الديموقراطية الصحيحة التي تبدأ كما قال الأستاذ محمد عابد الجابري:"بأول حق من حقوق الإنسان، حق"طلب الكلمة ... الكلمة لا تعطى، و الحقوق لا تمنح، و إنما تؤخذ و يجب أن نأخذها". الجابري محمد عابد، وجهة نظر نحو إعادة بناء قضايا الفكر العربي المعاصر، بيروت، لبنان، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، 1992م، ص: 140."

(3) السيوطي جلال الدين، حسن المحاضرة في تاريخ مصر و القاهرة، بدون، ج 2 ص: 10.

(4) الطبري أبو جرير، تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص: 617.

(5) المسعودي، مروج الذهب ج 2 ص: 130.

(6) يراجع أمثلة لذلك. من ذلك في غزوة حنين و كيف أفسح الرسول صلى الله عليه و سلم للأنصار مجال الحرية في التعبير عن رأيهم. ابن هشام، السيرة النبوية، تحقيق مصطفى السقا و إبراهيم الأبباري، بيروت، لبنان، دار المعرفة، 2003 م، ج 4 ص: 370 و ما بعدها.

(7) البيهقي، شعب الإيمان، 8236

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت