فهرس الكتاب
و الحق أنه يطول بنا الكلام لو حاولنا استقراء المظاهر السلوكية لحرية التعبير عن الرأي كمبدأ راسخ في الدين الإسلامي. و مهما حاول المرء أن يستفرغ جهده في إحصائها فلا يسعه في نهاية المطاف إلا أن يستوقفه مظهر مفصلي يتصل بنفي الإكراه. لا مجال في الدين الإسلامي للإكراه على الرغم من شمول الإرادة الإلهية لقوله تعالى:"و لو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين"\ سورة يونس، الآية 99\.و إذا حصل و ارتد بعضهم فإن هذا الارتداد لا يمكن أن يمثل حجرة عثرة في سبيل حرية الناس في التعبير عن اعتقاداتهم و آرائهم. سبب ذلك أن الله تعالى قادر مرة أخرى على اصطفاء أحرار آخرين يؤمنون بدينه لقوله تعالى:""و من يرتدد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم و يحبونه أذلة على المؤمنين أذلة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله و لا يخافون لومة لائم"\ سورة المائدة، جزء من الآية 56\ فلا مجال للإكراه على الدين لقوله تعالى:"لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي"\ سورة البقرة، جزء من الآية 255 \. و من الملفت للنظر أن هذا النفي جاء في مقام اعتقادي يتصف الله جل جلاله في سياقه بكمال التوحيد في الألوهية بكل ما يعنيه من أنه حي، وقيوم، و ملك، و حفيظ، و علي، و عظيم: قال تعالى:"الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة و لا نوم له ما في السماوات و ما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم و ما خلفهم و لا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات و الأرض و لا يؤده حفظهما و هو العلي العظيم"\سورة البقرة، الآية 254\"
إن النكرة في آية الإكراه السابقة جاءت في سياق النفي. و النكرة عند جمهور الأصوليين إذا جاءت في هذا السياق فإنها تفيد عندهم العموم و الاستغراق. و عليه فجنس الإكراه، أيا كان نوعه، و أيا كانت مرتبته، و أيا كان مقامه، كل ذلك منفي نفيا مطلقا في هذا الدين بحسب الآية. و من أنواع الإكراه المختلفة الإكراه على التعبير عن الرأي. قال الإمام محمد الطاهر بن عاشور في سياق تفسيره للآية السابقة:"جيء بنفي الجنس لقصد العموم نصا، و هي دليل على إبطال الإكراه بسائر أنواعه لأن أمر الإيمان يجري على الاستدلال و التمكين من النظر" [1] . و تبعا لذلك الأصل المقرر في الإسلام هو لا مجال للإكراه في التعبير عن الآراء، أيا كان مجالها و أيا كان نوعها. الإكراه منفي في الابتداء و الدوام. و المرء حر في التعبير عن آرائه قبل الدخول إلى الإسلام و بعد الخروج منه. فمثل المرتد بالنسبة للصعيدي عبد المتعال ك"مثل الكافر الأصلي في الدعوة إلى الإسلام، فكما يدعى الكافر الأصلي إلى الإسلام بالحكمة و الموعظة الحسنة، و يجادل بالتي هي أحسن، كذلك يدعى المرتد إلى العودة إلى الإسلام بالحكمة و الموعظة الحسنة، ويجادل فيه بالتي هي أحسن، و لا يكره على العودة إليه بوسيلة من وسائل الإكراه. كما لا يكره الكافر الأصلي على الإسلام بهذه الوسائل أيضا" [2] .
مجمل القول في مظاهر حرية التعبير عن الرأي في الإسلام انتظامها في واجب التحرر من وصاية الغير. و هو واجب أصلي يهدف إلى التمكين لمبدإ نفي الإكراه في التعبير عن الفكر بصفة خاصة. فلم يجعل الله تعالى سلطانا لأحد على السريرة أو الحركة الداخلية لفكر الإنسان، لأن كبت نتائج تلك السريرة و الحيلولة دون إظهارها هو الجرثومة الأصلية في تخلفنا الفكري و تراجعنا الحضاري. و من ثم إن الخطوة الأولية في النهوض و المواكبة هي التمكين في مجتمعاتنا الإسلامية لحق التظاهر المسؤول و الإعراب الواعي عن ما يعن للمفكرين و لأولي الرأي من أمتنا من رأي و فكر. و تبعا لذلك لا يسعني إلا أن أقتبس من كلام الأستاذ علال الفاسي رحمه: فأقول معه"يجب أن"
(1) ابن عاشور، تفسير التحرير و التنوير، تونس، نشر الشركة التونسية للتوزيع، بدون، ج 3 ص: 26.
(2) الصعيدي عبد المتعال، حرية الفكر في الإسلام ص: 73.