الصفحة 25 من 35

لا نشترط كثيرا من البلاغة و لا من البيان، لأن مهمتنا قبل كل شيء أن نكون الفكر الذي يمكن أن يقول. و متى تكون فإنه سيعبر عن نفسه بأي لسان" [1] ."

لا تكمن أهمية خطاب حرية التعبير، في أن نلتمس لها مظاهر في هذا الديانة أو تلك. كما لا تكمن العبرة فحسب في أن نستشهد لحجيتها من نصوص هذا القانون أو ذاك المذهب. كل هذا مهم، و لكنه غير كاف. و إنما الأهم و الأكثر نجاعة هو أن نتبصر أيضا بأنها لا تمارس في المطلق، و إنما تمارس في واقع مجتمعي يتعرض لسوء الاستعمال أو لسوء التصرف. و من ثم لا بد من معالجة مسألة ضوابط التعبير الحر عن الرأي ..

رابعا الضوابط الإسلامية

مهما تكن درجة الإقرار بحرية التعبير عن الرأي فإنها مقيدة في الممارسة بجملة من الضوابط و المحاذير. ذلك ما تقره القوانين الوضعية و الأنظمة السياسية و المواثيق الدولية. . التعبير عن الرأي، خاصة في سياق التطور الإعلامي، معرض لسوء استعمال الحرية و لسوء التصرف فيها. لذا لا بد من قيود تحدد نوع تطبيقها، و لا بد من ضوابط تبرز حدودها. و كما وجدنا معطى التقييد في القوانين الوضعية و المواثيق الدولية المتنوعة، نجده أيضا في الديانات السماوية و منها الدين الإسلامي.

إن الله تعالى لما خلق آدم و زوجه فقد أباح لهما التمتع بخيرات الجنة و بنعيمها و لم يكن في سياق هذا التنعم الحر إلا قيد واحد، و هو ألا يأكلا من الشجرة الواحدة. قال تعالى:"و قلنا يا آدم اسكن أنت و زوجك الجنة و كلا منها رغدا حيث شئتما و لا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين".\ سورة البقرة، الآية 34\. و لما أساءا استعمال حق الحرية في التصرف في نعيم الجنة كان التكليف بجملة من القيود و الأحكام لقوله تعالى:"فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك"\ سورة طه، جزء من الآية 114\. و هكذا فلئن كان الإنسان في الإسلام حرا في التعبير عن آرائه، إلا أن هذا التعبير مقيد بضوابط ثلاثة: وهي عدم الإساءة، و الموضوعية، و حفظ مصلحة المجتمع.

1_1 عدم الإساءة

أعني بهذا الضابط تجنب كل ما يدل في عرف الناس و في فطرتهم على الإساءة بحيث يكون المقصود الأصلي هو السب والتنقيص و التحقير. قال ابن تيمية رحمه الله:"يجب أن يرجع في حد الأذى و الشتم و السب إلى العرف، فما عده أهل العرف سبا وانتقاصا أو عيبا أو طعنا و نحو ذلك فهو من السب و ما لم يكن كذلك، و هو كفر به، فيكون كفرا ليس بسب" [2] . و لا يتناقض هذا الضابط مع واجب بيان الحق المقترن بالصدر الرحب و اللسان الطلق و الحجة الدامغة، و هو الأسلوب الذي نهجه القرآن المجيد في الرد على أهل الكفر و نقض مذاهبهم و أديانهم. و هكذا إن المقصد الشرعي من نهي الشارع عن الوقوع في سب آلهة المشركين هو"الإغضاء عن سبابهم و بذيء أقوالهم مع الدوام على متابعة الدعوة بالقرآن، فإن النهي عن سب أصنامهم يؤذن بالاسترسال على دعوتهم و إبطال معتقداتهم مع تجنب المسلمين سب ما يدعونهم من دون الله" [3] . و هكذا، و انطلاقا من الوعي بهذا الضابط، عندما تنشر جهة ما صورة مسيئة لهذه الديانة أو تلك، كما حدث مع الرسوم الكارتونية في الدانمارك، لا تكون هذه الجهة ممارسة لحقها في حرية التعبير، و إنما ارتكبت جريمة القذف بالسوء، و السوء متعدد الألوان و الأشكال: قد يكون كراهية أو معاداة أو كذبا و بهتانا أو تهجما.

(1) علال الفاسي، النقد الذاتي، الرباط، نشر اللجنة الثقافية لحزب الاستقلال، الطبعة السابعة،1979م، ص: 60.

(2) ابن تيمية، الصارم المسلول على شاتم الرسول ج 3 ص: 992.

(3) ابن عاشور، تفسير التحرير و التنوير ج 7 ص: 428.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت