فهرس الكتاب
و عليه و تبعا لهذا الضابط تتقيد ممارسة حرية التعبير عن الآراء في الإسلام بعدم الوقوع في مهاوي السب بكل ما يلزم عنه من قذف وشتم و استهزاء و سخرية و بذاءة واحتقار و معرة و نقيصة. و الذي يشهد لهذا الضابط قوله تعالى:"و لقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزؤون"\ سورة الأنعام، الآية 10\ و قوله:"ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون"\ سورة الأنعام، 109\، و قوله تعالى:"جادلهم بالتي هي أحسن"\ سورة النحل، جزء من الآية 125\. و قول الرسول الكريم محمد بن عبد الله صلى الله عليه و سلم:"سباب المسلم فسوق و قالته كفر" [1] . و عن عائشة أنه صلى الله عليه صلى الله عليه و سلم قال:"أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم" [2] .. و قال صلى الله عليه و سلم فيما روي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه:"المسلم من سلم المسلمون من لسانه و يديه، و المهاجر من هجر ما نهى الله عنه" [3] . و سئل صلى الله عليه و سلم أيضا فيما رواه أبو موسى الأشعري:"يا رسول الله، أي الإسلام أفضل؟ قال: من سلم المسلمون من لسانه و يده" [4] . و روي عنه صلى الله عليه و سلم: ط ليس المؤمن بالطعان، و لا اللعان، و لا الفاحش، و لا البذيء" [5] ."
و يمكن أن ندرج ضمن هذا الضابط أيضا عدم عدم اللغو و الزور و ترويج الضلالات من كذب و بهتان لقوله تعالى:"و الذين لا يشهدون الزور و إذا مروا باللغو مروا كراما"ش سورة الفرقان، جزء من الآية 72\، و قوله تعالى:"و إذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه و قالوا لنا أعمالنا و لكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين"\ سورة القصص، الآية 55\
كما ندرج تحت هذا الضابط عدم الاعتداء على الكرامة الإنسانية بالقذف. لا يمكن لحرية التعبير عن الرأي في ضوء هذا الضابط أن تكون ذريعة للعبث بأعراض الناس لقوله تعالى:"ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا ان نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتنان عظيم"\ سورة النور، الآية 16\ يترتب على جريمة القذف اعتداء كبير على الكرامة الإنسانية، و ينجم عن هذا الاعتداء مفاسد كبيرة، لعل أعظمها نشر الأحقاد والإحن. قال الأستاذ فتحي الدريني:"إن جريمة الاعتداء على الكرامة الإنسانية لا تقل خطرا على المجتمع عن الاعتداء على النفوس بحسب المآل، ذلك لأن الوقائع في البيئات التي ابتليت بمثل هذه الجريمة قد أثبتت أنها منشأ الفتنة التي تؤدي إلى التقاتل و سفك الدماء غالبا، فضلا عن زرع الإحن و الأحقاد التي لا تمجي" [6] .
يقتضي إعمال هذا الضابط أن يكون المعبر عن رأيه لينا، يدافع عن وجهة نظره ب بالتي هي أحسن لقوله تعالى:"فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى"\ سورة طه،
(1) صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله، رقم الحديث 48. و ينظر أيضا صحيح مسلم، كتاب الإيمان،: باب قزل النبي صلى الله عليه و سلم:"سباب المسلم ..."
(2) صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب"و هو ألد الخصام"، رقم الحديث 4523 و صحيح مسلم، كتاب العلم، باب في الألد الخصم، رقم الحديث 2668، بلفظ:"إن أبغض الرجال ...."و سنن الترمذي، كتاب تفسير القرآن، باب و من سورة البقرة، رقم الحديث 2976.
(3) صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه و يده، رقم الحديث 10.
(4) صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب أي الإسلام أفضل، رقم الحديث 11 و صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان تفاضل الإسلام و أي أموره أفضل، رقم الحديث 163.
(5) سنن الترمذي، باب جاء في اللعنة: رقم الحديث 1900، ج 7 ص: 246. و مسند احمد بن حنبل رقم الحديث 3646، ج 8 ص: 181.
(6) فتحي الدريني، خصائص التشريع الإسلامي، ص: 254. يراجع في ذلك بالنسبة لحادث الإفك محمد يوسف مصطفى، حرية الرأي في الإسلام، القاهرة، مكتبة غريب، بدون، 143.