فهرس الكتاب
الآية 43\ و قوله تعالى:"ادع إلى سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة و جادلهم بالتي هي أحسن"\ سورة النحل، جزء من الآية 125\ و لقوله تعالى:"و قل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا"\ سورة الإسراء، الآية 53\. و عليه، و في إطار هذا الضابط، لا ينبغي أن يتحول الاختلاف في تقدير الصواب أو الخطأ في مجال حرية التعبير عن الرأي إلى حق أو باطل. و من ثم لا يعد المهزوم في الحوار والتعبير الحر منحرفا عن الحق أو منحازا للباطل.
2_1 الموضوعية
أعني بهذا الضابط الاحتكام إلى الصدق و النزاهة و الأمانة وعدم القفز على المعطيات الموضوعية. و لا تخفى أهمية هذا الضابط في الوقت الحاضر إذ تطورت وسائل التعبير حتى أصبحت تتحكم في تشكيل كثير من المواقف و تحديد قيم كثير من أنماط السلوك، بل و أضحت من وسائل تشويه الصورة النمطية للكثير من الأديان و المذاهب والآراء. لإسلام و المسلمين.
لقد ذم القرآن المجيد الكذب، وأمر بالصدق في قوله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله و كونوا مع الصادقين"\سورة التوبة، الآية 120 \و قال تعالى:"يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا"\ سورة الحجرات، الآية 6\. و قال تعالى:"و لا تقف ما ليس لك به علم إن السمع و البصر و الفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا"\ سورة الإسراء، الآية 36\. لا ينبغي أن يقع الرأي العام بدعوى حرية التعبير عن الرأي في شرك الانخداع والغش. و أخطر غش هو الغش الذي يمس المعلومات السائدة. و لهذا إن التدقيق مطلوب لأن الأمر متعلق بعقول الناس و متصل بتشكيل مواقفهم من قضايا المجتمع. قال تعالى:"و إذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به و لو ردوه إلى الرسول و إلى أولي الأمر لعلمه الذين يستنبطونه منهم"\ سورة طه، الآية 43\
عن عبد الله بن عمرو أن الرسول صلى الله عليه و سلم قال:"أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، و من كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، و إذا حدث كذب، و إذا عاهد غدر، و إذا خاصم فجر" [1] لقد سبق للرسول صلى الله عليه و سلم أن كان مثالا فريدا في الإنصات للغير في سلوكه، إلا أن المشركين أخطأوا فهم هذا السلوك النبوي فعير بأنه"أذن"أذن. قال تعالى:"و منهم الذين يقولون هو أذن قل أذن خير لكم"\ سورة التوبة، جزء من الآية 61 \ و معنى"أذن"أنه صلى الله عليه و سلم يعطي أذنه لكل قائل يلقي فيها ما يقوله له، فهو في نظر هؤلاء الناس سماع لكل قول يجوز عليه الكذب و الخداع دون أن يتنبه إلى الغش و المخاتلة والزور. و الحق أن هؤلاء ينسون و يتناسون ما يشي به الاستماع من انفتاح على الغير وإعطائه الفرص النادرة في التعبير الحر عن آرائه. و قال تعالى:"و لا تبخسوا الناس أشياءهم"\ سورة هود، الآية 84\
نفهم، انطلاقا من هذا الضابط الموضوعي، المغزى من كون الرأي المبني على العلم الراشد أحد مصادر التشريع في الإسلام. الرأي الصادق و النزيه و الأمين و المبني رأي موضوعي في الإسلام [2] . و الرأي الموضوعي قبل أن نصرح به و نحن على كل حال أحرارا في التعبير عنه، يجب أن يكون مسبوقا بإنصات للغير و انفتاح إيجابي عنه لأن ذلك من الاستماع المحمود في الكتاب المجيد في قوله تعالى:"الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله و أولئك هم أولوا الألباب"\ سورة الزمر، جزء من الآية 16.إن التعريف في قوله تعالى"القول"تعريف للجنس، أي يستمعون الأقوال كلها، سواء كانت أقوال هدى و حكمة، أو كانت أقوال ضلال و أوهام. فقبل القفز
(1) صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب علامة المنافق، رقم 34
(2) يراجع أمثلة لذلك في كتاب حرية الرأي لمصطفى ص: 133.