الصفحة 28 من 35

على التعبير إلى الرأي يجب أن نهضم ما لدى الغير من آراء و أفكار عن طريق التمثل الموضوعي لما أنتجه بفهم عناصره، و استيعاب بنياته، و الإحاطة ببيناته، و التمكن النزيه من مقاماته وسياقاته.

و لا يخفى أن اسم التفضيل في قوله تعالى:"فيتبعون أحسنه"هو للدلالة على قوة الوصف النقدي الذي يتصف به المؤمنون، و بالأحرى العلماء منهم. قال الإمام بن عاشور رحمه الله [1] :"أثنى الله عليهم بأنهم أهل نقد يميزون بين الهدى و الضلال، و الحكمة و الأوهام. نظار في الأدلة الحقيقية، نقاد للأدلة السفسطائية" [2] . و لهذا لا بد من العدل و طلب السداد أثناء التعبير عن آرائنا لقوله تعالى:"و إذا قلتم فاعدلوا"\ سورة الأنعام، جزء من الآية 153\ و قال تعالى أيضا:"يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله و قولوا قولا سديدا"\ سورة الأحزاب، الآية 70\

3_1 حفظ مصلحة المجتمع

ليست حرية التعبير عن الرأي في الإسلام مطلقة، و إنما هي حرية مقيدة بالمحافظة على مصالح المجتمع. نعم هي مرسلة في أصلها، لكن مسؤولية الاستخلاف أو أمانة التكليف تجعل ممارستها مقيدة بما يحفظ للآخرين مصلحتهم و حريتهم أيضا [3] . وهكذا إن الحرية بأنواعها المختلفة، بما فيها حرية التعبير عن الرأي، حرية محدودة كما قال الإمام محمد الطاهر بن عاشور:"بما حددت به شريعة الإسلام أعمال الأمة في تصرفاتهم الفردية و الجماعية في داخل البلاد و مع الأمم المجاورة و المتعاملة من جلب مصلحة المسلمين ودرء المفسدة عنهم على جلب المصلحة إن تعذر الجمع بين الأمرين، و من سلوك أمثل الطرق السياسية لتأمين الأمة من غوائل العدو، و مكر من يتربص بهم من الدوائر" [4] .

إن الأصل هو حرية التعبير عن الرأي، لكن ذلك محدود بما لا يفضي إلى المفاسد العظيمة التي تهدد هوية المجتمع الإسلامي. و من ثم يمنع التغرير الذي يتخذ صاحبه من شعار و من مناخ حرية التعبير عن الرأي مطية للعداء للإسلام و لأهله و تفتيت ما تبقى من وحدة إسلامية، و تقويض وحدة الأسرة الإسلامية، و هدم الوحدة الوطنية لكل بلد من البلدان الإسلامية. لا يسعني هنا إلا أن أدعو مع غيري للتدقيق في أحوال من أعلن من يعلن عن رأيه، وعن ارتداده في هذا الزمان كسلمان رشدي و غيره، لنرى كنا قال الأستاذ محمد سعيد رمضان البوطي:"كيف قفزوا من دائرة حرية الاعتقاد و الفكر إلى ساحة الحرب المعلنة ضد الإسلام و أهله" [5] . و عليه ليس لأمثال هؤلاء أن يدعو و يروج تحت لافتة حرية التعبير عن الرأي للأفكار ليس فحسب لأنها شاذة عن الأمور المعلومة من الإسلام ضرورة، و إنما لأنها تتناقض مع المصلحة المجتمعية للمسلمين.

(1) الإمام محمد الطاهر بن عاشور رحمه الله \ المزداد سنة 1892 م_ 1296 ه و المتوفى 1973 م_ 1393 ه \ من علماء الإسلام المبرزين. اعتلى مناصب سامية في تونس و مناصب علمية مختلفة. من أشهر مؤلفاته: تفسيره التحرير و التنوير، و كتابه الذائع الصيت مقاصد الشريعة الإسلامية، و كتاب أصول النظام الاجتماعي في الإسلام و غيرها من المؤلفات الرصينة. يراجع للتوسع في ذلك كتابي نظرية المقاصد عند الإمام محمد الطاهر بن عاشور، منشورات المعهد العالمي للفكر الإسلامي بواشنطن،1995م، الطبعة الأولى، ص: 75_ 98.

(2) الإمام محمد الطاهر بن عاشور، تفسير التحرير و التنوير، تونس، الدار التونسية للنشر، بدون، ج 23 ص: 366.

(3) علي عبد الواحد وافي، الحرية في الإسلام، سلسلة اقرأ رقم 304، دار المعارف، 1968م، ص: 5.

(4) ابن عاشور، أصول النظام الاجتماعي، ص: 170.

(5) البوطي، الجهاد في الإسلام، ص: 213.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت