الصفحة 29 من 35

إن الأصل هو أن تفضي حرية التعبير عن الرأي إلى المصلحة الموضوعية التي تخدم مجموع الهيئة الاجتماعية كإسداء النصح لرجال السلطة، و تسهيل مسالك حصول الناس على حقوقهم، و الحد من طغيان أية سلطة من سلطات الدولة على الأخرى، و التمكين للفكر العلمي في المجتمع، و ترسيخ الفكر الحر، و تكريس قيم و أساليب المحاسبة والنقد الذاتي و المنتج، وتجذير قيم الابتكار و الخلق و الإبداع ... و كلها مصالح يمارسها أهل النظر و الاختصاص من خلال مظاهر مختلفة لحرية التعبير، و منها مظهر الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر التي تنظمه مؤسسات االدولة المعاصرة: دولة القانون .. فلا يخفى_ و كما مر سالفا_ أن الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر من مظاهر حرية التعبير عن الرأي في الإسلام، لكن ممارسة هذا الواجب الشرعي و النهوض به يتطلب من ممارسه و القائم به الالتزام بضابط الموازنة الدقيقة بين المصالح و المفاسد التي سيسفر عنها النهوض بهذا الواجب الشرعي. فحرية التعبير في ضوء هذا الضابط ليست مطلقة، وإنما هي حرية مقيدة بمدى الضرر الذي يلحق الغير [1] . و في هذا المضمار سبق للرسول صلى الله عليه و سلم ان قال:"لا ضرر و لا ضرار" [2] .

ولا نجد هنا أبلغ في تصوير هذا الضابط من حديث السفينة الذي قال من خلاله رسول الله صلى الله عليه و سلم:"مثل القائم على حدود الله و الواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها و بعضهم أسفله، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا و لم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم و ما أرادوا هلكوا جميعا، و إن أخذوا على أيديهم نجوا و نجوا جميعا" [3] . لا يتصور مفهوم حرية الإسلام، انطلاقا من هذا الحديث، في صورة الفعل الحيواني السائب الذي لا قانون يردعه و لا وازع يمنعه، و إنما يتصور مفهوم الحرية في صورة الفعل الإنساني المنخرط في الهيئة الاجتنماعية و المحتكم في الوقت نفسه إلى ما يحقق مصلحتها العامة. يبدو من هذا الحديث ما يشير إليه من العبرة في حرية التعبير عن الرأي ليست فحسب في عدم القصد إلى الإضرار بالغير، و هذا هو ما جاء منصوصا عليه في الحديث بعبارة:"لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا و لم نؤذ من فوقنا"، و إنما العبرة في هذه الحرية في ما تؤول إليه من نتائج و عواقب.

وعليه لا ينبغي للفرد، مهما كانت مرتبة موقعه داخل المجتمع، أن يستبد برأيه بحجة أنه حر في التعبير عن رأيه ما دام قصده هو مصلحة المجتمع. فقد تسفر ممارسته لهذه الحرية إلى نتائج وخيمة على المجتمع. قال الأستاذ فتحي الدريني:"الحق أو الحرية يكون مشروعا في أصله، و لكنه يصبح غير مشروع في الممارسة و العمل بالنظر إلى النتائج الواقعة أو المتوقعة" [4] . و قديما سبق للعز بن عبد السلام أن قرر قاعدة أن كل تصرف تقاعد عن تحصيل مقصوده فهو باطل. و قال بن تيمية:"فحيث كانت مفسدة الأمر والنهي أعظم من مصلحته لم تكن من أمر الله به، و إن كان ترك واجب أو فعل محرم" [5] . وللأصوليين والفقهاء كثير من القواعد في هذا الضابط منها الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف، و الضرر لا يزال بالضرر و غيرها من القواعد.

(1) يراجع للتوسع عبد الوهاب الشيشاني، حقوق الأنسان و حرياته الأساسية في الإسلام و النظم المعاصرة، طبعة 1980 م، ص: 346. و يراجع أيضا محمد أبي زهرة، المجتمع الإنساني في ظل الإسلام،، بيروت، دار الفكر العربي، ص: 189.

(2) رواه مالك و بن ماجة و احمد: ينظر موطأ مالك، كتاب الأقضية، باب القضاء في المرفق.

(3) صحيح البخاري، كتاب الشركة، باب هل يقرع في القسمة و الاستهام، رقم الحديث 2493.

(4) فتحي الدريني، خصائص التشريع الإسلامي في السياسة و الحكم، ص: 316.

(5) ابن تيمية، الحسبة في الإسلام، تحقيق محمد زهري النجار، نشر المؤسسة السعودية بالرياض، 1980م، ص: 117.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت