الصفحة 31 من 35

الأستاذ وهبة الزحيلي:"هي أن يستطيع كل إنسان التعبير عن رأيه و أفكاره للناس سواء كان ذلك بشخصه أم بوسائل النشر المختلفة، أم بواسطة الروايات التمثيلية أم الأفلام السينمائية" [1] . و من ذلك أيضا تعريف الأستاذ زيد الكيلاني:"قدرة كل فرد في أن يحدد بنفسه من خلال عقله و حواسه ما يعتقد أنه الصواب و الصحيح في أي موضوع من الموضوعات" [2] . و الحق أنها من صنف التعريفات المثالية لأن الحرية بصفة عامة لا تتحقق في الآن و في الحاضر، بل ترجأ دائما إلى المآل و إلى المستقبل. قرر ذلك هيجل عندما تتوافق و تتناغم أهداف كل من الفرد وعقلانية الدولة ومصير التاريخ. كما قرر ذلك ماركس عندما يختفي المجتمع المبني على الملكية وعندما يستوعب الإنسان العلوم الموضوعية.

6 _ كما لا يمكن الاقتصار عند تحديد هذا المفهوم على قيوده و ضوابطه، كما في تعريف الأستاذ محمد يوسف مصطفى:"حرية الرأي هي حق المرء في التعبير بكلمة صادقة أمينة لا تعكس مصالح ذاتية، يريد بها صالح الجماعة المسلمة التي ينتمي إليها، و يطلقها لكي تقر حقا أو تقاوم باطلا. و يوردها مستخدما لقنوات و وسائل التعبير المباحة و المشروعة مع الالتزام بأخلاقيات الإسلام و مبادئه" [3] . عوض ذلك لا بد من المزاوجة بين الإقرار بحق حرية التعبير عن الرأي و بين ضرورة تقييده، مزاوجة تتناغم مع النظرية النقدية للحرية التي تقول أو تريد أن تقول:"أن الحرية في مفهومها تناقض و جدل: توجد حيثما غابت، و تغيب حيثما وجدت. والنظرية هي الكشف عن ذلك الجدل ... كل ما تقوله النظرية هو أن الحرية لكي تتحقق يجب أن تعقل، و لكي تعقل يجب أن تطبق [4] ."

7 _ يصعب في نظري، إن لم أقل، يستحيل على من يطمح إلى التعريف بمفهوم حرية التعبير عن الرأي أن يغيب عن باله التناقضات التي تنشأ عن تطبيقها. تقدم لنا الممارسة اليومية شواهد حية و متعددة على أن حرية التعبير عن الرأي تُمارس ضمن دوائر محددة قد تضيق و قد تتوسع بحسب هذا المجتمع أو ذاك، أو بحسب المستوى التاريخي لهذا البلد أو ذاك، و بحسب مبلغ التحضر الذي وصلت إليه هذه الدولة أو تلك. لا توجد حرية للتعبير عن الرأي في المطلق. صحيح أننا قد نحتفي جميعا بحرية التعبير عن الرأي، لكن صحيح أيضا أننا نفكر فيها و نحن واعون وعيا تاما بأنها تمارس في معظم الأحوال ضمن ضوابط معينة. لا يوجد مجتمع يتشكل تاريخ فكره من مظاهر حرية التعبير عن الرأي وحدها، كما لا يوجد مجتمع أيضا يبنى تاريخ فكره من مظاهر تقييد حرية التعبير عن الرأي. ففي تاريخ كل المجتمعات هناك جدل مستمر بين حرية التعبير عن الرأي و قيودها أو ضوابطها. و لعل هذا منشأ معظم إشكالات حرية الرأي أو الفكر [5] .

8 _ حال إن الإقرار النظري بحرية التعبير عن الرأي لا يغني عن التبصر بالتطبيق العملي لها في الواقع. و من ثم نحن هنا إزاء معادلة تتكون من طرفين:_ طرف الإقرار بحرية التعبير عن الرأي. _ و طرف التطبيق بما يمثله واقعه من إكراهات و ضغوط تستلزم وضع ضوابط حتى لا يكر التطبيق العملي على حرية التعبير عن الرأي بالنقض و الإبطال. يطمح صاحب الرأي في ضوء هذه المعادلة، و

(1) نقلا عن محمد نبيل كاظم، كيف ندرب أبناءنا على حرية التعبير، القاهرة، دار السلام للطباعة و النشر و التوزيع، الطبعة الأولى، 2006م، ص: 8.

(2) زيد الكيلاني، مفاهيم الحق في الإسلام و الفقه الوضعي، ص: 187.

(3) محمد يوسف مصطفى، حرية الرأي في الإسلام، مكتبة غريب، بدون، ص: 40.

(4) عبد الله العروي، مفهوم الحرية، البيضاء، المغرب، المركز الثقافي العربي، الطبعة الثالثة، 1984م، ص: 86 و راجع أيضا الصفحات: 63_69.

(5) قال الأستاذ محمد وقيدي:"هذا إشكال أساسي لأن إشكالات أخرى تنبثق عنه و تتشكل عناصرها انطلاقا من عناصره". بعض إشكالات حرية التفكير، جريدة العلم،22 غشت، 1993م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت