الصفحة 4 من 35

المقدمة

لئن كانت الحرية من المفاهيم التي تتعدد استعمالاتها فإنها متمحورة حول معنى تحقيق الخلاص. و الخلاص في نظري متعدد الأبعاد. منه ما هو أخلاقي يئول إلى معنى التخلص من أمور كان العرب يعتبرونها من أخلاق العبيد، كالذل و البخل و الزيف، وكلها أخلاق مذمومة في أعراف و تقاليد المجتمع العربي. قال الشاعر العربي: إن كنت عبدي فنفسي حرة كرما \\ أو أسود اللون إني أبيض الخلق الشخص الحر ينشد الخلاص من الغير و يود لو يكون تصرفه في شؤونه و في شخصه غير متوقف على رضا الآخر [1] . و في توضيح هذا البعد سبق للراغب الأصفهاني أن قال:"الحر خلاف العبد. يقال حر بين الحرورية. و الحرورة و الحرية ضربان: الأول من لم يجر عليه حكم الشيء نحو الحر. قال الراغب الأصفهاني:"الحرية ضربان: الأول: من لم يجر عليه حكم الشيء، نحو:"الحر بالحر"، و الثاني/ من لم تتملكه الصفات الذميمة من الحرص و الشره على المقتنيات الدنيوية، و على العبودية التي تضاد ذلك أشار النبي صلى الله عليه و سلم بقوله:"تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار"... و قيل عبد الشهوة أذل من عبد الرق". [2] "

و من أبعاد الخلاص ما هو فقهي لأن مصطلح الحرية في الفقه معناه هو التخلص من عقد العبودية الذي يربط العبد بسيده الذي يملك بمقتضى العقد السابق التصرف في شؤونه.

و منها ما هو قانوني_اجتماعي لأن مصطلح الحرية يعني في الحياة الاجتماعية التخلص من ثقل الضرائب. و الإنسان الحر هو المعفى من الضريبة.

و منها ما صوفي إذ الحرية من خلاله تعني التخلص من كل ارتباط يحول صاحبه عن الاتصال بحبل العبودية لله تعالى. قال الجرجاني:"الحرية في اصطلاح أهل الحقيقة: الخروج عن رق الكائنات و قطع جميع العلائق و الأغيار. و هي على مراتب: حرية العامة عن رق الشهوات. و حرية الخاصة عن رق المرادات لفناء إرادتهم في إرادة الحق. و حرية خاصة الخاصة عن رق الرسوم و الآثار لانمحاقهم في تجلي نور الأنوار" [3] .

و منها ما هو إنساني إذ تعني الحرية من خلاله التخلص من التحجير و الوصاية. و هذا بعد حاضر في كثير من التعريفات الحديثة للحرية، يستوي في ذلك التعريفات التي قدمها العرب و المسلمون أو التي صاغها الأوروبيون و الغربيون: من ذلك تعريف جون لوك بأنها:"الحق في فعل أي شيء تسمح به القوانين" [4] .و من ذلك أنها"غياب الحواجز أمام تحقيق الرغبات" [5] . و من ذلك أنها"عمل الإنسان ما يقدر على عمله"

(1) يراجع في هذه النقطة محمد الطاهر بن عاشور، أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، تونس، الشركة التونسية، 1978م، ص: 139.

(2) لراغب الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، تحقيق عدنان داوودي، دمشق، دار القلم، الطبعة الثالثة، 1423ه، 2002م، ص: 224. ينظر أيضا فرانز روزنطال، مفهوم الحرية في الإسلام، دراسات في مشكلات المصطلح و أبعاده في التراث العربي الإسلامي، ترجمة رضوان السيد و معن زيادة، بيروت، لبنان، نشر دار المدار الإسلامي، الطبعة الثانية، 2007م، ص: 25 و ما بعدها

(3) الجرجاني، التعريفات، تحقيق إبراهيم الأبياري، بيروت، لبنان، دار الكتاب العربي،1985 م، ص: 116.

(4) كريم كشاكش، الحريات العامة في الأنظمة السياسية المعاصرة، الأسكندرية، 1917م، ص: 25.

(5) عبد الوهاب الكيالي و آخرون، موسوعة السياسة، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات و النشر، 1979م، ص: 244.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت