الصفحة 5 من 35

حسب مشيئته لا يصرفه عن عمله لأمر غيره". و من ثم كان الأصل في حرية التعبير عن الرأي في الغرب عدم التقييد، فهي حرية مرسلة بغض النظر عن الوسيلة المستعملة [1] . و من ذلك أنها"هي خلوص الإنسان من ضيق الحجر عليه و تمتعه بجميع الحقوق الإنسانية التي سوغها العقل و قضى بها الشرع" [2] . و من ذلك أنها"الحالة التي يستطيع فيها الأفراد أن يختاروا و يقررو ا و يفعلوا بوحي من إرادتهم دونما أية ضغوط من أي نوع عليهم" [3] . و م ذلك أنها:"انعتاق الإنسان من عبودية أخيه الإنسان، و انعتاق الشعوب من عبودية الشعوب الأخرى" [4] . ومن ذلك أنها: القدرة على الاختيار بين الممكنات بما يحقق إنسانيتي" [5] .و منها تعريف الأستاذ فتحي الدريني بأنها"المكنة العامة التي قررها الشرع للأفراد على السواء، تمكينا لهم من التصرف على خيرة من أمرهم دون الإضرار بالغير من الفرد أو المجتمع [6] . و من ذلك أنها"المكنة المتوافرة للمكلف التي تسبق الفعل بحيث تجعله قادرا على الفعل أو الترك بدرجة سواء، فهي وصف لإرادة المكلف عندما تكون خالية من القيد أو الإكراه، و الذي يدفعه باتجاه الفعل أو عدم الفعل" [7] . و من ذلك تعريف الإمام محمد الطاهر بن عاشور بأنها"عمل الإنسان ما يقدر على عمله حسب مشيئته لا يصرفه عن عمله غيره. [8] "و بذلك فهي، كما قال مرة أخرى:"وصف فطري نشأ عليه البشر و به تصرفوا في أول وجودهم على الأرض حتى حدثت بينهم المزاحمة فحدث التحجير". [9] "

كلها تعريفات للحرية تنظم في معنى محوري مفاده: تخليص الإنسان من أخلاقيات العبيد و من صرف الغير و من ثقل الضرائب و من التحجير و الوصاية على اختلاف أشكالها و صورها و ألوانها. و الحق أنها بمثابة القيود التي تحد من إرادة الإنسان، و تعوقه عن التمتع بثمرات كسبه المادية و المعنوية، و من جملة تلكم الثمرات ما تقدمه قريحته من عزائم و ما يولده فكره من آراء. لا يخفى أن الإنسان كائن اجتماعي يتواصل مع بني جنسه بطرق مختلفة من الملاطفة، و الممازحة، و بأصناف من المحاورة و المحاسبة، و صور من المعاهدة و الملازمة التي لا تنأى في معظم الأحوال عن التهارج و التدافع و التمانع. و كلها أشكال تواصلية تقتضي من الإنسان أن يكون له من خلالها رأي لا بد له يعبر عنه. و هنا، و كما قال الفيلسوف المصري زكي نجيب محمود:"أرجوك أن تقف لحظة عند كلمة يعبر هذه، لأنها كلمة استطاعت بها عبقرية اللسان العربي أن تبثها معنى ضخما بعيد الدلالة. فالتعبير إنما هو"عبور"فهناك في دخيلة الكائن الحي سره الإلهي العظيم، لكنه سر لا يراد له أن ينكتم، فمهدت له وسائل"العبور"من الداخل إلى الخارج. و ذلك هو نفسه"التعبير"" [10] . و الحق أن الحرية هي

(1) محمد حلمي، المبادئ الدستورية العامة، بيروت، دار الفكر العربي، ص: 375.

(2) سليمان عبد الجواد، الديمقراطية في الإسلام، مصر، طبعة أحمد مخيمر، ص: 25.

(3) الموسوعة العربية العالمية، الرياض، الطبعة الأولى، 1996م، ج 9 ص: 298.

(4) عبد العزيز الخياط، الحرية السياسية في الإسلام بين الخصوصية و العالمية، بحث منشور ضمن بحوث حقوق الإنسان في الإسلام، مؤسسة آل البيت، 1997 م، ص: 109.

(5) محمود عكام، الموسوعة الإسلامية الميسرة، حلب، دار صحارى، الطبعة الأولى، 1997م، ج 4 ص: 869.

(6) فتحي الدريني، خصائص التشريع الإسلامي في السياسة و الحكم، بيروت، لبنان، 1987م، ص: 404.

(7) رحيل محمد غرابية، الحقوق و الحريات السياسية في الشريعة الإسلامية، منشورات المعهد العالمي للفكر الإسلامي، عمان، الأردن، دار المنار للنشر و التوزيع،، سلسلة الرسائل الجامعية رقم 33، 2000م، ص: 36.

(8) محمد الطاهر بن عاشور،، أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، تونس، دار الكتاب، 1977 م، ص: 160.

(9) محمد الطاهر بن عاشور،، أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، ص: 162.

(10) زكي نجيب محود، عن الحرية أتحدث، مصر، دار الشروق، الطبعة الأولى، 1406ه_ 1986م، ص: 16. إن التعبير عن الرأي، و إبداء الرأي، كما قال الأستاذ صبحي المحمصاني بمثابة"تعبير خارجي عن الفكر الباطني". صبحي المحمصاني، أركان حقوق الإنسان بحث مقارن بين الشريعة الإسلامية و القوانين الحديثة، بيروت، لبنان، دار العلم للملايين، الطبعة الأولى، 1979م، ص: 141

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت