أولا الأحكام الفقهية
عرف معظم فقهاء الإسلام مصطلح الحرية كشرط من شروط التكليف بأحكام الشريعة الإسلامية، فسارعوا إلى تحرير هذا المصطلح في باب الحجر من كتبهم. [1] و الحق أن هذا ليس هو الشكل الوحيد لحضور الحرية في الموروث من الأحكام الفقهية، لأن الباحث المدقق سرعان ما يؤدي به البحث و النظر إلى كشف أشكال متعددة من حضور أنواع الحريات عند الفقهاء. لقد عولجت حرية التعبير عن الرأي عند الفقهاء في إطار فريضة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر. كما عولجت في مسألة عقوبة المرتد.
1 الارتداد
قال تعالى:"لا إكراه في الدين"\سورة البقرة، جزء من الآية 255\. إذا قررت الآية مبدأ نفي الإكراه في الدين فإن المفروض أن يفتح هذا التقرير الباب واسعا لحرية الناس في التعبير عن آرائهم و اعتقاداتهم المختلفة في جميع الأمكنة، و في جميع الأزمنة، و في جميع الأحوال. أما إذا ارتدوا عن الدين فالمتفق عليه بين الفقهاء أن لهم عقوبة أخروية. بكلام آخر إن لهذا الذي صرح برأي مناقض للأمور المعلومة من هذا الدين عقوبة أخروية موكولة للخالق سبحانه. تمثل في إحباط الله عز وجل لأعماله، و في لعنه، و هو في جهنم خالدا فيها ... و هذا واضح في مثل الآيات الآتية:"و من يرتدد منكم عن دينه فيمت و هو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا و الآخرة و أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون"\ سورة البقرة، 217الآية 215\ و قوله تعالى:"كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم و شهدوا أن الرسول حق و جاءهم البينات و الله لا يهدي القوم الظالمين أولئك جزائهم أن عليهم لعنة الله و الملائكة و الناس أجمعين خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب و لا هم ينظرون"\ سورة آل عمران، الآية 85_87\. ذلك هو الأمر المتفق عليه بين جميع الفقهاء.
السؤال الأساسي هنا: كيف نفهم الموقف الفقهي القائل بقتل من يصرح برأي يفهم منه الارتداد عن الدين الإسلامي؟ نجد أنفسنا بالنسبة لهذا السؤال إزاء تفسيرات مختلفة [2] :
منها ما هو سياسي لأن للردة أسباب سياسية. و هذا واضح في استعمالها من طرف الخلفاء و الحكام لمعاقبة المعارضين. إن قاعدة إعدام المرتدين، كما قال محمد الشرفي:"كانت لبوسا دينيا لاختيار سياسي إذ لم يقتصر تطبيقها على القبائل التي أعلنت ردتها عن اعتناق الإسلام فحسب، بل شمل أيضا القبائل التي اعترضت علنا على أبي بكر و امتنعت عن دفع الزكاة إلى عماله و أعوانه. هذه الممارسة شبيهة بما تلجأ"
(1) قد نجد في كلام الفقيه و المؤرخ أحمد بن خالد الناصري المتوفى 1897 م أنموذجا متميزا لهذا الرفض إذ قال رحمه الله:"و اعلم أن الحرية التي أحدثها الإفرنج في هذه السنين هي من وضع الزنادقة قطعا لأنها تستلزم إسقاط حقوق الله، و حقوق الوالدين، و حقوق الإنسانية رأسا .... و ضابط الحرية عندهم لا يوجب مراعاة هذه الأمور، بل يبيح لإنسان أن يتعاطى ما ينفر عنه الطبع و تأباه الغريزة الإنسانية من التظاهر بالفحش و الزنا و غير ذلك إن شاء لأنه مالك أمر نفسه. فلا يلزم أن يتقيد بقيد و لا فرق بينه و بين البهيمة المرسلة إلا في شيء واحد هو إعطاء الحق لإنسان آخر مثله فلا يجوز له أن يظلمه ... واعلم أن الحرية الشرعية هي التي ذكرها الله في كتابه، و بينها رسول الله لأمته، و حررها الفقهاء في باب الحجر"االناصري أحمد بن خالد، الاستقصا من أخبار دول المغرب الأقصى، البيضاء، المغرب، دار الكتاب العربي، الطبعة الأولى، 1954 م، ج 9 ص: 115. و الحق أنه لا يسعنا إلا أن نتفهم هذا الرفض للحرية الإفرنجية_الأوربية لأن الحرية بصفة عامة، و منها حرية التعبير عن الرأي بصفة خاصة، كانت في معظم الأحوال مجرد شعار تستر من خلاله الأوربيون من أجل خدمة"مقاصدهم الاستعمارية"إذا حاولنا أن نقتبس من لغة الأستاذ علال الفاسي رحمه الله. علال الفاسي، دفاع عن الشريعة، الرباط، مطبعة الرسالة، الطبعة الأولى، 1966 م، ص: 162.
(2) عبد الرحمن حللي، حرية الاعتقاد ص: 124 و ما بعدها.