إليه اليوم أغلبية أنظمة البلدان الإسلامية إذ تعمد إلى الجنح المتصلة بالرأي أو المعتقد فتحولها إلى مؤامرة ضد أمن الدولة لقمع كل صوت ناشز" [1] ."
و منها ما هو فقهي، إذ رأى جمهور الفقهاء وجوب قتل المرتد. و مستند الجمهور في القول بقتل المرتد هو كثير من الأحاديث أبرزها حديثان: الأول قوله صلى الله عليه و سلم:"من بدل دينه فاقتلوه" [2] ، و قوله صلى الله عليه و سلم:"لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله و أني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، و الثيب بالزاني، و المفارق لدينه، التارك للجماعة" [3] . لئن اعتبر جمهور الفقهاء نفي الإكراه عن الدين مبدأ راسخا في الإسلام فإن ذلك محصور في ما قبل الاقتناع بعقيدته و قبل الاندماج في بنائه المجتمعي. يضمن الإسلام في نظرهم للناس كافة عدم إكراههم على الدين الإسلامي، لكن إذا اعتنقوا الدين الإسلامي، و انخرطوا في بنائه المجتمعي، و اندمجوا في هياكله، و احتكوا مع أفراده، لم يبق لهم من حرية التعبير عن آرائهم و اعتقاداتهم إلا ما يمس الأمور الاجتهادية. لا حرية لهم، و لو كانوا من العلماء الراسخين، في التعبير عن اعتقادات و آراء مناقضة لعقيدة التوحيد في الإسلام. و إذا كان من إكراه في عقوبة المرتد فهو إكراه لا على الدخول في الإسلام، و إنما هو إكراه على عدم التصريح بأي تعبير يخرج صاحبه من الإسلام [4] .
لا يتعلق المقصد الشرعي من قتل المرتد [5] عند جمهور الفقهاء بحرية الناس في التعبير عن آرائهم [6] و معتقداتهم. المقصد الشرعي من هذه العقوبة ليس الطعن في هذه الحرية، و إما المقصد من هذه العقوبة متعلق بالحفاظ على نظام المجتمع، فهو مقصد تنظيمي مجتمعي حتى لا تنحل"الجامعة الإسلامية".قال الأستاذ محمد سعيد رمضان البوطي:"المستعلن بردته عن الإسلام داخل المجتمع الإسلامي خارج على جماعة المسلمين بكل مقوماتها الدينية و الوطنية و السياسية، صرح بذلك أم لم يصرح". إن الذي يعبر عن رأي يناقض العقيدة الإسلامية إنما يعلن خروجه عن الإسلام، و هذا الإعلان كان في تقديرهم بمثابة التعريض به و الاستخفاف به. و تلك أول خطوة من الخطوات التي تمهد الطريق لمن يريد الانسلال منه. و هي خطوات فاسدة يجب، كي ندرأها و ندفعها، أن يشرع حكم توقع الموت كحكم زاجر فلا يدخل أحد إلى الإسلام إلا و هو حر في فكره، و في اعتقاده، و في تعبيره عن فكره و اعتقاده.
لقد سبق للأستاذ علال الفاسي رحمه الله في الستينات من القرن العشرين أن قال:"الذي لا شك فيه أن الذين يقولون بقتل المرتد، و هم عامة الفقهاء غير المعاصرين، إنما يقصدون بذلك حماية الطائفة الإسلامية، لا المساس بحرية الإيمان"
(1) محمد الشرفي، الإسلام و الحرية ص: 71.
(2) صحيح البخاري، كتاب: استتابة المرتدين و المعاقدين و قتالهم، باب: حكم المرتد و المرتدة و استتابتهم، رقم الحديث 6922 و سنن أبي داوود، كتاب الحدزد، باب الحكم فيمن ارتد، رقم 4351، و سنن النسائي، كتاب تحريم الدم، باب الحكم في المرتد، رقم 4059، و سنن ابن ماجة، كتاب الحدود، باب المرتد عن دينه، رقم الحديث 2535.
(3) صحيح البخاري، كتاب: الديات، باب النفس بالنفس و العين بالعين و الأنف بالأنف و الأذن بالأذن، و باب: ما يباح من دم المسلم، رقم الحديث 6878.
(4) أي إن قتل المرتد، و كما قال الإمام محمد الطاهر بن عاشور رحمه الله:"هو من الإكراه على البقاء في الإسلام"ابن عاشور، تفسير التحرير و التنوير ج 2 ص: 337
(5) و قد استدل الإمام محمد الطاهر بن عاشور على قتل المرتد من القرآن المجيد، و بالضبط من قوله تعالى:"و لا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا فمن يرتد منكم بعد إيمانه فيمت."قال بن عاشور:"و قد أشار العطف في قوله تعالى:"فيمت"بالفاء المفيدة للتعقيب إلى أن الموت يعقب الارتداد، و قد علم كل أحد أن معظم المرتدين لا تحضر آجالهم عقب الارتداد فيعلم السامع حيئذ أن المرتد يعاقب بالموت عقوبة شرعية فتكون الآية بها دليلا على وجوب قتل المرتد". تفسير التحرير و التنوير ج 2 ص: 335.
(6) البوطي، الجهاد في الإسلام، ص: 213.