الصفحة 9 من 35

الذي هو شيء باطني لا يتحكم فيه" [1] . و يبدو أن استلهام هذا الطرح واضح في قضية الأستاذ أحمد أبو زيد، إذ سبق لمحكمة النقض المصرية أن حكمت بالردة في شأن هذا الباحث، مما استتبع التفريق بينه و بين زوجته. التصدي للردة إذا عرضت على القضاء، كما جاء في الحكم الاستثنائي الصادر بالتفريق بين الدكتور أبو زيد و زوجته"لا تعد محاربة لحرية الاعتقاد، و إنما حماية للاعتقاد من هذه الأهواء الفاسدة. أما الاعتقاد فيتعلق بديانة الإنسان، أي بسريرته مع خالقه سبحانه و تعالى، و ليس للمحاكم أن تتدخل فيه أو تفتش عنه" [2] ."

لا زال الكثير من الباحثين المحدثين و المعاصرين [3] متمسكين بهذا التقدير الموروث. فالردة عندهم قد تأخذ صورة الإعلان الحر عن الرأي، و قد تلبس لباس التصريح الحر بالفكر، لكنها في مآلها و نتيجتها بمثابة الخروج عن النظام العام للمجتمع الإسلامي، و تلك صورة من صور الإساءة للإسلام و لأهله سبق للقٍرآن المجيد أن نبه إليها في قوله تعالى:"و قالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار و اكفروا آخره لعلهم يرجعون"\ سورة آل عمران، الآية 71\ و في قوله أيضا:"و إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا و إذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزؤون"\ سورة البقرة، الآية 13\

ميز بعض الباحثين المقتدرين بين الردة المركبة و الردة البسيطة: أي بين الردة المحاربة و الردة المجردة. فلما كانت الأولى مصحوبة بالتمرد و النفاق و التلاعب بالدين والحرب على المسلمين فلا يصح إدراجها ضمن باب الحدود، بل هي من باب التعازير والسياسة الشرعية، و من باب التصرف بالإمامة ... وكل هذا يقدر تبعا لظروف الإسلام والدولة الإسلامية من استقرار، و فتنة، أو ضعف، أو قوة ... و تبعا للأفعال المصاحبة للردة والمخاطر و الأضرار الناجمة عن هذه الردة أو الخيانة. و الردة الثانية، لما كانت ردة الشخص مع نفسه و مع فكره، سواء أسرها أو جهر بها كانت ردة مسيطة أو مجردة. وفي ضوء هذا التمييز قال الأستاذ الجليل أحمد الريسوني عن هذه الردة الآخيرة"لذلك أرى أنها غير مشمولة بعقوبة الردة المركبة، بل هي مشمولة بنصوص و أدلة أخرى، أبرزها و أصرحها قوله تعالى:"لا إكراه في الدين"" [4] .

و الحق أنه هذا التمييز أو لنقل هذا الرأي جدير بالاعتبار لأن الإكراه في الإسلام منفي بجميع أنواعه و بمختلف صوره بما فيها الإكراه على التعبير عن الرأي الذي يعتقده صاحبه، و يؤمن به، وينشد التصريح به إلى الغير، بل قد يلهج به لسانه،. إن رفع الوصاية على الناس في عقائدهم و آرائهم و أفكارهم و اجتهاداتهم و تعبيراتهم أمر مقرر في طبيعة هذا الدين. أقول هذا لأن الله تعالى هو الوصي الوحيد على نوايا الناس و ضمائر البشر، وهو سبحانه المطلع الوحيد على حقيقة و فحوي و مقاصد ما تكنه صدورهم، و ما يلهج به لسانهم، و ما تخطه أقلامهم، و ما تفكر فيه عقولهم. و لو شاء سبحانه أن يكره الناس على دينه و أن يستبقيهم في كيانه لكان له ذلك، فصرفهم عن التعبير عن الارتداد عن دينه لقوله تعالى:"قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم"

(1) علال الفاسي، مقاصد الشريعة ص: 25.

(2) محمد سليم العوا، الحق في التعبير، القاهرة، دار الشروق، الطبعة الثانية، 2003م، ص: 24.

(3) كأن معنى حرية التصريح بالارتداد في هذا الباب، و كما قال الشيخ محمد الغزالي رحمه الله:"إعطاء الآخرين حرية الإساءة إلى الإسلام ... و كثيرا ما يرادف الارتداد جريمة الخيانة العظمى، و تكون مقاومته واجبا شرعيا". حقوق الإنسان بين تعاليم الإسلام و إعلان الأمم المتحدة، الإسكندرية، دار الدعوة، الطبعة الخامسة، 2002 م\ 1422 ه، ص: 67. يراجع أمثلة عن ذلك في كتاب حرية الاعتقاد لعبد الرحمن حللي، ص 101 هامش رقم 1 و أيضا مفاهيم الحق لزيد كيلاني ص: 184.

(4) أحمد الريسوني، حرية الاعتقاد و قضية الردة في الإسلام، الحلقة التاسعة، جريدة المساء، 10 شتنبر، 2008م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت