بسم الله الرحمن الرحيم
عندما تطلق مسألة حرية الاعتقاد فان المتبادر منها ان لا تكون هناك أية محدودية لرفض اية عقيدة او قبولها أو تغييرها، ولما كان قبول الإسلام ابتداءًا امرًا مجازًا في حين أن الخروج منه ممنوع يستحق معه فاعله العقوبة الشديدة (القتل) وهو أمر متسالم عليه بين كل المذاهب الإسلامية، فان هذا التساؤل ينطرح: كيف ينسجم هذا مع مبدأ حرية الاعتقاد المطروح على المستوى الانساني اليوم باعتباره امرا مسلمًا، وحقًا من حقوق الإنسان؟
ولاريب ان مسألة (الارتداد) لها عمقها ومباحثها المتنوعة في الفقه الإسلامي، وآثارها في مختلف المجالات الحياتية كالنكاح والطهارة والإرث والحدود. ولكننا سنركز على مسألة عقوبة المرتد ومدى انسجامها مع مبدأ الحرية الدينية، مقسمين الاتجاهات فيها إلى ما يلي:
اولًا: الاتجاهات الرافضة لعقوبة المرتد
ولاريب أن كل الاديان تعتبر الارتداد جريمة. وتتفق المذاهب الإسلامية على ان جزاءه القتل. ولكن بعض الكتاب والعلماء والأساتذة شككوا في مستندات هذا الحكم ومنهم مثلا:
1 ـ الأمام الشيخ محمود شلتوت اذ يقول: الاعتداء على الدين بالردة يكون بإنكار ما علم من الدين بالضرورة، وارتكاب ما يدل على الاستخفاف والتكذيب. والذي جاء في القرآن عن هذه الجريمة هو قوله تعالى (ومن يرتدد منكم ... ) [1] والآية كما ترى لاتتضمن اكثر من حبوط العمل والجزاء الأخروي بالخلود في النار أما العقاب الدنيوي لهذه الجناية وهو القتل فيثبته الفقهاء بحديث يروى عن (ابن عباس) ... ثم يعقب: وقد تتغير وجهة النظر في هذه المسألة اذا لوحظ ان كثيرا من العلماء يرى ان الحدود لا تثبت باحاديث الاحاد، وان الكفر بنفسه ليس مبيحا للدم، وان المبيح هو محاربة المسلمين والعدوان عليهم ... وان ظواهر القرآن في كثير من الايات تأبى الاكراه على الدين. فهو ظاهرًا يميل لهذا القول. [2]
2ـ الاستاذ الدكتور احمد صبحي منصور في كتابه (حد الردة) ص61 حيث اكد على وجود حديثين فيه هما ما نقله الأوزاعي بلا سند مما منعه من الاعتماد عليه ثم يقول: ان مسلمًا اعتمد عليه بعد قرنين فعاد خبرا صحيحًا، والثاني ما نقل في صحيح البخاري عن عكرمة [3] وناقش فيه. والواقع ان هناك ادلة أخرى من مصادر السنة والشيعة تؤكد هذا الحكم. [4]
3 ـ الدكتور الشيخ صبحي الصالح حيث قبل بسند حديث (من بدل دينه فاقتلوه) ولكنه انكر امكان الاستناد إلى خبر الواحد في امر الدماء بعد كل ذلك التاكيد
(1) البقرة 217.
(2) الإسلام عقيدة وشريعة ط2 ص301.
(3) الحرية الدينية في الإسلام ص 61.
(4) المحلى لابن حزم. ج12، ص 110 و163 ووسائل الشيعة ج 15 ص399 مثلا.