الخاتمة والتوصيات
يتضح من خلال هذه الدراسة أن مفهوم حرية التعبير عن الرأي في وسائل الإعلام في المجتمع المسلم تختلف عنها في المجتمعات الغربية من حيث الأسس الفكرية، والضوابط التشريعية والقانونية، والممارسات التطبيقية.
فحرية التعبير عن الرأي في المجتمع المسلم حرية منضبطة بضوابط الشريعة التي حددت لها مجالاتها، وأهدافها، وبينت لها أساليبها ووسائلها، بما يضمن حق الفرد في التعبير عن رأيه بشكل يحقق المصلحة له أو لمجتمعه، ويحفظ حقوق الآخرين من التعدي عليها من خلال ممارسة هذه الحرية، فالمسلم يُقَيِّم رأيه قبل أن يعبر عنه، هل فيه مصلحة له أو لغيره فإن كان كذلك عبر عنه وأعلنه، وإلا فالسكوت خير له تمسكا بتوجيه نبيه صلى الله عليه وسلم «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» [1] ، كما أن الشريعة الإسلامية ضمنت عدم إساءة استخدام حرية التعبير للإضرار بالآخرين فحرمت الغيبة والنميمة، والغمز واللمز، والتجسس، وإشاعة الفاحشة، وتتبع العورات لأي سبب كان وبأي وسيلة كانت، مما يحافظ على كيان المجتمع المسلم ويحميه من التفكك وانتشار الضغينة والحقد بين أفراده.
ووسائل الإعلام في المجتمع المسلم بأنواعها المتخلفة تضمن إتاحة الفرصة لأفراد المجتمع للتعبير عن آرائهم وفق الضوابط الشرعية، لا تتعمد الإثارة، ولا تقتحم الخصوصية الفردية، ولا تشيع الفاحشة، ولا تُغَلِّب المصالح المادية الذاتية على المصالح العامة. تتحمل مسؤوليتها كاملة أمام الله عز وجل أولا ثم أمام المجتمع المسلم ثانيا في تحقيق المصالح ودرء المفاسد.
أما حرية التعبير في الأنظمة الغربية فهي حرية مطلقة غير منضبطة بضوابط محددة لأنها نبعت من فلسفات فكرية تقدس الفرد وتسعى لتحريره من كافة القيود حتى الدينية منها. وتطلق له العنان لممارسة ما يراه مناسبا لحياته الدنيوية في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والإعلامية، ضابطها الوحيد هو عدم التعدي على حريات الآخرين.
ولذا عانت المجتمعات الغربية كثيرا من فتح الباب على مصراعيه للتعبير عن الرأي في وسائل الإعلام، فشاعت الفاحشة في وسائل الإعلام، وكثرت جرائم انتهاك الخصوصيات، وسيطرت الجوانب المادية على أهداف المؤسسات الإعلامية، واشتدت المنافسة بين وسائل الإعلام على إغراق المجتمعات الغربية بقضايا الجنس والإثارة لتحقيق تلك الأهداف المادية، دون أن يكون هناك محددات واضحة لرسالة الوسيلة الإعلامية في المجتمع، ولا للحكمة من ممارسة حق حرية التعبير فيها.
وفي الختام يتضح الفرق بين حرية التعبير المسؤولة في المجتمع المسلم وما يترتب عليها من آثار إيجابية للمجتمع وبين حرية التعبير المطلقة في المجتمعات الغربية وما يترتب عليها من آثار سلبية.
و من أهم التوصيات التي يمكن أن تقدم للباحثين في هذا المجال ما يلي:
أولا: إجراء المزيد من الدراسات النقدية الفاحصة لأنظمة الإعلام في المجتمعات الغربية، حتى يتم كشف الجوانب السلبية التي تعاني منها تلك الأنظمة، وحتى لا ينخدع بها كثير من الناس في المجتمعات الإسلامية في ظل الهيمنة لتلك الأنظمة على الساحة الإعلامية العالمية.
(1) البخاري: الأدب (6019) , وابن ماجه: الأدب (3672) , وأحمد (6/ 385) , ومالك: الجامع (1728) , والدارمي: الأطعمة (2036) .