بسم الله الرّحمن الرحيم
المقدمة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [1] و {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71) } [2] والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا ونبينا محمد الذي بعثه الله رحمة للعالمين ليحرر من يشاء من عباده من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد.
أما بعد فالحرية حق من حقوق الإنسان كفلتها الشرائع السماوية قبل الأنظمة والتشريعات الحديثة، وتعتبر حرية التعبير من أهم الحريات التي يعبر بها الإنسان عن مشاعره ومعتقداته، وشؤون حياته، فيوضح بها الحق، ويكشف بها زيغ الباطل، ويحقق بها المصالح، ويدرأ بها المفاسد، فنفعها عظيم إذا أحسن استخدامها وفق ضوابطها الشرعية، وشرها مستطير إذا انفلتت من تلك الضوابط، فانتهكت بها الأعراض، ودمرت بها القيم، وزرعت بها البغضاء والشحناء بين الأفراد والأمم.
ومع انتشار وسائل الاتصال الحديثة واتساع نطاقها كثرت المطالبة بحرية التعبير حيث أصبحت هذه الوسائل ميدانا فسيحا للتعبير عن الآراء المختلفة دون ضوابط شرعية أو قانونية أو أخلاقية في مختلف الأنظمة والمجتمعات.
وفي ظل الهيمنة الغربية وخاصة الأمريكية على الساحة الإعلامية والسياسية والاقتصادية، بدأت الدعوات تنتشر وبقوة في وسائل الإعلام المختلفة، حتى الإسلامية منها بتبني الفكر الغربي في التعامل مع حرية الرأي والتعبير، وسعت تلك الأنظمة إلى دعم هذه التوجهات من خلال تنظيم المؤتمرات والندوات المطالبة بحقوق الإنسان، وحقوق المرأة بشكل خاص، وفق الرؤية الغربية في محاولة لتعميم المفهوم الغربي للحرية عموما وحرية التعبير بشكل خاص.
ومن هنا كان لا بد من دراسة المفاهيم المختلفة للتعبير عن الرأي في وسائل الإعلام، وتحديد ضوابطها ومجالاتها، وتوضيح أهم الفروق بين حرية التعبير التي كفلها الدين الإسلامي، وبين حرية التعبير كما تنادي بها الأنظمة الغربية الليبرالية، والتي تهيمن على معظم وسائل الإعلام العالمية اليوم.
أهمية الدراسة:
تنبع أهمية هذه الدراسة من الحاجة إلى توضيح مفهوم حرية التعبير عن الرأي في المجتمع المسلم وتحديد ضوابطها في ظل تنامي وسائل الإعلام، وتزايد الدعوات لفتح المجال لحرية التعبير، وهيمنة المفاهيم الغربية للحرية عموما، وحرية التعبير خصوصا في ظل السيطرة الإعلامية للأنظمة الغربية، و استخدام مفهوم حرية التعبير من قبل العديد من وسائل الإعلام الغربية للإساءة للإسلام والمسلمين، فكان لا بد من دراسة توضح الفرق بين حرية التعبير المنضبطة بضوابط الشريعة كما هي في المجتمع المسلم، وبين حرية التعبير المطلقة أو الموجهة لخدمة مصالح فردية أو ذاتية كما هي في النظام الليبرالي.
(1) - ... سورة آل عمران، آية 102
(2) - ... سورة الأحزاب، آية 70، 71