وتختلف أدبيات الدراسات العربية في تحديد مفهوم حرية التعبير وخاصة في وسائل الإعلام، إذ يقول بعضهم:"إن حرية التعبير (الرأي) لست إلا سقوط العوائق التي تحول دون أن يعبر المرء بفطرته الطبيعية عن ذاته وعن مجتمعه، تحقيقا لخيره وسعادته، وحرية الكلام وحرية التعبير هما النتيجة الطبيعة لحرية الاعتقاد، وحرية الاعتقاد تعني حرية التفكير والإيمان بما نرى أنه الحقيقة، فهي الحرية التي تجعلنا لا نضطر إلى اعتناق آراء نعتقد أنها خاطئة، وحرية الاعتقاد هي أولى الحريات، لأنها تحدد جميع الحريات" [1] . ويقول أخر:"إن حرية الفكر هي حق الفرد كسلطة تقديرية في عدم التعرض له والحيلولة بينه وبين التعبير عن فكره ورغبته في الاتصال بالآخرين ... وحرية الرأي هي بمثابة الحرية الأم لسائر الحريات الذهنية وهي أن تكون إرادتنا التي نعبر عنها وليدة رغباتنا وليست وليدة قوى ملزمة تضطرنا أن نفعل ما لسنا نريد أن نفعله". [2] وهذه الاتجاه يلغي كافة القيود على التعبير عن الرأي، وينسجم مع المفهوم الغربي لحرية التعبير عن الرأي.
ومنهم من يضع مفهوما ملتزما بضوابط عامة فيرى أن الحرية الإعلامية هي: حرية التفكير والتعبير والإعلام وحرية الانتفاع بالإعلام واستخدام حق الرد وحماية الحياة الخاصة وصون التكتم ووقاية الذاتية الثقافية وحتى حرية رفض الاتصال [3] . ويعرفها باحث آخر"بأنها حرية الأفراد والجماعات والدول في تداول متعدد الاتجاهات للمعلومات داخل إطار الإتاحة والمشاركة والتغذية الدائمة ضمن حدود مبدأ الحرية والمسؤولية ..." [4] وهذا الاتجاه يتفق مع التوجه القائل بضرورة أن تكون هناك مسؤولية اجتماعية عند ممارسة الحرية.
أما الاتجاه الثالث فيرى أن حرية التعبير ينبغي أن ينظر إليها في الإطار العام لمفهوم الحرية في الشرع وتعني:"إرادة الإنسان وقدرته على الاختيار والانتفاع بحرية الاتصال المحكم بشتى وسائل الإعلام، وهي عطاء إلهي فطر الإنسان عليه حتى يكون عبد الله بالحرية والاختيار، كما هو عبد لله بالفطرة والاضطرار، وفق الممكن من العلم والقدرة على ممارسة هذا الحق، انطلاقا من مسؤولية التكريم، والاستخلاف، وواجب البلاغ المبين، وطلبا للاستجابة والإقناع بالحق والتفاهم، والتعاون على الخير في إطار عقيدة الإيمان بالله الواحد الأحد لتحقيق غايته الحقيقية" [5] ويرى آخر:"أن الحرية الإعلامية كغيرها من الحريات العامة في الإسلام تسعى إلى تحرير الإنسان من الولاء أيا كان نوعه ومصدره، ومن العبودية أيا كان نوعها سوى عبادة الله تعالى وما تقتضيه. فالحكومات والأنظمة السياسية ليس لها حق في فرض الرق على الإنسان لأن ذلك يتناقض مع قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ} [6] وقوله تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [7] "
(1) حسن عماد مكاوي، مرجع سابق، ص31
(2) ليلى عبد المجيد، تشريعات الإعلام في مصر وأخلاقياته، (القاهرة: دار النهضة العربية، 2008م، ط3) ، ص5
(3) مصطفى المصمودي، النظام الإعلامي العالمي الجديد، (الكويت: سلسلة عالم المعرفة، رقم 94، محرم 1406) ، ص 125
(4) إبراهيم الداقوقي، قانون الإعلام، نظرية جديدة في الدراسات الإعلامية الحديثة، (بغداد: مطبعة وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، 1986م) ص 103
(5) سعيد ثابت، مرجع سابق، ص54
(6) الزخرف: 84
(7) يوسف: آية 40