وهكذا فإن المسلم محرر من الولاء لغير شريعة الله تعالى" [1] وهذا الاتجاه في النظرة إلى حرية التعبير ينطلق من المفهوم الإسلامي للحرية وليس من المفهوم الغربي، وبناء عليه فإن مفهوم حرية التعبير عن الرأي هنا لا تعني الانفلات من القيود بقدر ما تعني الالتزام بالمنهج الإسلامي في التعبير عن الرأي ومجالاته وأساليبه ووسائله المشروعة. فهي ملتزمة بالتصور الإسلامي لمفهوم الحرية بشكل عام، ومنبثقة عنها في المصدر والممارسة وتسعى لتمكين شرع الله في الأرض وإقامة الحياة على أساس الدين، فموضوعها الشأن العام في حياة المسلمين بمناصرة الحق ونبذ الباطل وحراسة الفضائل الإنسانية والأخلاق الفاضلة. وممارستها مرتبطة بالنقد الذي يبتغي إصلاح أي خلل يطرأ على الحياة الإسلامية، منطلقة من منهج الإسلام ومقيدة بمقاصد الشرع [2] ."
مفهوم الحرية في المجتمعات الغربية:
وإذا كان النظام الإسلامي عرف الحرية بمفهومها الصحيح منذ أكثر من أربعة عشر قرنا فإن المجتمعات الغربية لم تعرف الحرية إلا بظهور الثورات الحديثة في المجتمعات الغربية، فقد عاشت مرحلة من الاضطهاد والتعسف في العصور الوسطى إبان سيطرة الكنيسة على النظام السياسي، حيث حاولت الكنيسة بزعامة القسيس أوغسطين (354 - 430م) إجبار الناس على الالتزام بالمسيحية عنوة مما نتج عنه تقلص حرية التعبير والرأي واندثارها، وعرفت أوروبا في عهد البابا جريجوري التاسع ما عرف بنظام التفتيش الذي يكفل للكنيسة الدخول في مواطن اختلاء الناس بنفوسهم. وقد عاشت الشعوب الغربية لمدة خمسة عشر قرنا من الزمان تحت أشكال مختلفة من الاضطهاد والتعسف وسلب الإرادة في ظل التحالف بين الكنيسة والدولة باسم الحق الإلهي. [3]
ومن هنا انطلق مفهوم الحرية في الأنظمة الغربية مستندا إلى نظرية المذهب الفردي التي نمت وترعرعت بعد تبلور الفكر الديمقراطي على إثر ظهور كتابات جان جاك روسو، ومونتسيكو في المجال السياسي وظهور كتابات آدم سميث وغيره في المجال الاقتصادي [4] ، وقد ناضلت الشعوب الغربية كثيرا من أجل الحصول على حق التعبير عن الرأي خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، وقد تميز القرن السابع عشر بذيوع أفكار الفيلسوف البريطاني"جون ميلتون"حيث أعلن أن الحرية هي أن تعرف، وأن تقول ما تحس دون قيد، كما دعا جون لوك في عام 1690 إلى نقل السلطة من الملك إلى البرلمان الذي يمثل الشعب وأن للناس الحق في مقاومة المسؤولين الذين يسيئون استخدام سلطاتهم التي يخولها لهم القانون، وفي عام 1789 وضع الكونجرس الأمريكي عشرة تعديلات على الدستور عرفت باسم"وثيقة الحقوق"تمنع الحكومة المركزية من التدخل في الحقوق الشخصية والطبيعية للشعب وكان من أبرزها التعديل الأول الذي يحول دون ممارسة الكونجرس لسلطات تؤدي إلى تحديد حرية التعبير أو حرية الصحافة. [5]
وقد انطلق مفهوم الحرية في الفكر الغربي من منطلقات فلسفية فردية تقوم على تقييم الإنسان للمنفعة فما يراه مفيدا فهو مفيد، وما يراه ضارا فهو ضار، ويؤكد ذلك ما
(1) محمد البشر، مرجع سابق، ص22
(2) محمد البشر، مرجع سابق ص79
(3) حسن عماد مكاوي، أخلاقيا العمل الإعلامي -دراسة مقارنة، (القاهرة: الدار المصرية اللبنانية، 2006 ط4) ، ص 39 - 40.
(4) محمد أحيد عمر، مرجع سابق، ص 18.
(5) حسن عماد مكاوي، مرجع سابق، ص47 - 50.