الصفحة 3 من 17

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة

تهتم الدول والمجتمعات الإسلامية عن طريق مؤسساتها الدينية بالاجتهاد، لإيجاد الأحكام الشرعية لما يحدث ويستجد للناس من أمور في مختلف شئون حياتهم؛ لذا لم يكن غريبا أن تعقد مؤتمرات وندوات تعالج قضايا التجديد في الفكر وفي الفقه الإسلامي، وأذكر منها مؤتمر المجلس الأعلى للشئون الإسلامية الذي عقد في مايو 2001م، ومؤتمر جامعة اليرموك الذي عقد في نفس العام، وكذا مؤتمرا عقد في دار الحديث الحسنية عن الاجتهاد في القضايا المستحدثة في نفس العام أيضًا [1] .

إن الكتابة في هذا الموضوع من الأهمية بمكان، إذ أن الأحكام والمبادئ الموجودة في القانونين الدولي والداخلي، وكذلك في الشريعة الإسلامية، قد بلورت طائفة جديدة من حقوق الإنسان تعرف بالجيل الثالث من حقوق الإنسان، أو حقوق التضامن بمعني آخر [2] .

لقد قدمت الثورة الفرنسية للمجتمع الأوروبي في العصر الحديث، وعلى وجه التحديد في بداية القرن التاسع عشر، الطائفة الأولى لحقوق الإنسان والتي تبين أنها لا تتطلب من الدولة سوى السماح للفرد بحرية العمل وحرية التصرف دون تدخل منها يفسد التمتع بالحقوق الفردية وممارستها. وبعد الحرب العالمية الثانية قدمت الأمم المتحدة للعالم ما أطلق عليه"وثيقة حقوق الإنسان"والتي تتكون من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية كما بذلت جهودًا كبيرة طوال القرن العشرين من قبل الأمم المتحدة والأجهزة واللجان العديدة التي شكلتها لبلورة حقوق الإنسان وإحالتها من مبادئ عامة إلى قواعد قانونية محددة تصلح للتطبيق، ويجازى من يخالف أحكامها. كما تقدمت جهود الأمم المتحدة في مجال التطبيق الفعلي للحقوق والحريات التي تضمنتها الوثيقة، وعلى وجه الخصوص في مجال تطبيق حق تقرير المصير على الأقاليم التي كانت مستعمرات سابقة، وتحررت العديد من الدول في آسيا وإفريقيا بفضل هذه الجهود.

على أن التطورات العديدة التي شهدتها الإنسانية على مدى هذا القرن قد غيرت الواقع وأثرت في أسلوب الحياة، وأوجدت حقائق جديدة لا يمكن تجاهلها بالنسبة لممارسة الحقوق التقليدية التي تضمنتها الوثائق والدساتير الخاصة بمختلف الدول، ومن ثم كان الاهتمام بإيجاد جيل ثالث من أجيال حقوق الإنسان هو ما عرف اصطلاحا بحقوق التضامن، تلك الحقوق التي لا يمكن أن تمارس إلا بشكل جماعي من ناحية، والتي لا يمكن لدولة واحدة من الدول النامية أن تمارسها بمفردها وإنما تتطلب تضامن الدول في المجتمع الدولي لكفالة تلك الحقوق لجميع الشعوب، من ناحية أخرى وقد أعلن الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان هذه الحقوق، وفي مقدمتها: حق الشعوب في السلام، وحقها في التنمية وحقها في بيئة صحية مناسبة.

إن الشريعة الإسلامية الغراء قد سبقت كل التشريعات إلى تقرير هذه الحقوق للإنسان، حيث تضمنت النصوص الصريحة في القرآن والسنة مجمل منظومة الحقوق والواجبات التي نعالجها الآن، ويمكن أن نطورها ونفصلها بالاستنباط من النصوص الصريحة ومن الممارسات العملية التي تضمنتها كتب السير والمغازي والتاريخ الإسلامي بشكل عام.

(1) - ... راجع للمؤلف التجديد في الفكر الإسلامي، نشر رابطة الجامعات الإسلامية، ابريل 2008.

(2) - راجع للمؤلف، القانون الدولي لحقوق الإنسان، دراسات في القانون الدولي وفي الشريعة الإسلامية، دار الكتاب اللبناني، القاهرة 2005.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت