الصفحة 2 من 27

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه أجمعين، وبعد

تمهيد وتعريف

الحرية من المفردات التي تدور حولها نزاعات، وتوجّه باسمها اتهامات، وقد شكلت مادة للتجارة السياسية على المستوى الدولي في العلاقات، وعمدت دول كبرى إلى التشهير بسواها باسم الحرص على الحريات العامة، وحرية أتباع الأديان، وحرية الأقليات، وكان هذا في الأعم الأغلب كلام حقّ يراد به باطل.

لكن هذا لا يلغي حقيقة كونية هي أن الحرية ملازمة لشخصية الإنسان بالولادة فهي فطرة وأصل لذلك نجد الطباع تأبى الظلم، وتعشق الحرية، ولذلك كانت الحرية مطلبًا لكل إنسان حتى الطائر والحيوان يفرّ من القفص والسجن.

وإذا كان العطاء والابتكار مطلبًا ضروريًا وهو عماد التطوير والتنمية، فإن ذلك لا يكون مع العبودية، فالإبداع والابتكار قرينا الحرية.

والحرّ خلاف العبد، والمصطلح المتداول:"التحررية: النزعة الرامية إلى الانعتاق السياسي والاقتصادي، وفي السياسة: فلسفة تقوم على الإيمان بالتقدم واستقلال الفرد الذاتي وتنادي بحماية الحريات السياسية والمدنية."1

لقد ورد في النص القرآني مرة واحدة ما يشير إلى مصطلح الحرية باللفظ والاشتقاق، وذلك في سورة آل عمران، وذلك في قوله تعالى: {إذ قالت امرأة عمران ربّ إنّي نذرت لك ما في بطني محررًا فتقبّل منّي إنّك أنت السّميع العليم} 2.

وورد قبل ذلك ترتيبًا، ولمرة واحدة، كلمة"الحرّ"في إطار القصاص {: يا أيّها الذين آمنوا كتب عليكم القِصاص في القتل الحرّ بالحرّ والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عُفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وآداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم} .3

وسبب تقديم الآية من آل عمران لأنها تلبي الغاية التي هي موضوع هذا البحث، ونترك للقرطبي في تفسيره المعنون:"الجامع لأحكام القرآن"ليحدثنا عن الدلالة في لفظة"محررًا"، حيث قال:"قوله تعالى (محرّرًا) مأخوذ من الحرية التي هي ضد العبودية، من هذا تحرير الكتاب، وهو تخليصه من الاضطراب والفساد. وروى خُصيف عن عكرمة ومجاهد: أن المحرّر الخالص لله عزّ وجل، لا يشوبه شيء من أمر الدنيا، وهذا معروف في اللغة آن يقال لكل ما خَلَص: حرّ، ومحرّر بمعناه؛ ... وطين حرّ: لا رمل فيه."4

وقال الفيض الكاشاني:"محرّرًا: معتقًا لخدمة بيت المقدس لا أشغله بشيء."5

فالمحرّر هو من امتلك حريته، وهو من لا تقف عوائق في طريق نيله مبتغاه المشروع، ومن لا قيود على فكره أو حركته ضمن الميادين المتاحة والتي هي من حقوقه، ولا تجاوزات فيها. والمحرر هو الذي استطاع تنزيه سلوكه والتسامي فوق النزوع المادي الدنيوي من أجل التقرب إلى الله تعالى، والمحرر أو الحر من لا يقرّ إلا بعبودية خالصة لله تعالى.

وحريّة Liberte"في القانون العام أن يعمل المرء بوحي نفسه دون أن يتقيد بما يحظر أو يضيق عليه عمله نسبيًا. وأنواع الحرية في القانون العام متعددة: منها"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت