الصفحة 3 من 27

الحرية السياسية Liberte politique، وهي حق الأمة في اختيار الأسلوب الذي تُحكم به، فتنتخب حكامها مباشرة أو تنيب عنها من ينتخبهم. ومثل هذه الحرية تقتضي نظامًا ديمقراطيًا، ومنها الحريات الشخصية Libertes individuelles، وهي قدرة المرء على تنمية ملكاته ونشاطه في حمى القانون والرقابة القضائية معتمدًا على عقيدة سياسية تشعره بأن مبادئ قدرته تلك إنما هي فوق من يحكمونه، وإنه ليس على هؤلاء إلا تنظيمها على مقتضيات الحياة المشتركة."6"

فالحرية تُشعر صاحبها بأن حقّه في ممارسة حرياته يستند إلى مبادئ منظومة قيم تجعله في موقف الأقوى والأقدر على ممارسة ذلك، ولا يحق لأصحاب السلطة والقرار أكثر من ضبط وتنظيم الأمور. فالحرية ثابتة راسخة ملازمة للفطرة وهي حق طبيعي بينما القوانين والقيم الناظمة احتمالية قد تتبدل وفق العقيدة أو الشريعة التي تنطلق منها.

وجاء في موسوعة أخرى:"حريّة liberte: مصطلح في فلسفات العالم، منذ القدم حتى إعلان حقوق الإنسان7: يولد الناس أحرارًا ومتساوين في الحقوق والواجبات."

الحرية تقابلها العبودية، تعتبر حرية الإنسان معيارًا لسيادته وكرامته واستقلاليته، ولمدى قدرته على العمل والفكر والحكم الحرّ."8"

الإنسان حر بالفطرة ومنذ الولادة، والحرية تحقق كرامة بني آدم، وإذا كان الإنسان توّاقًا للحرية بكل أبعادها فإن القوانين والسلطات واجب عليهم مواكبة ذلك بما يحفظ الكرامة والحياة الحرة لكل إنسان.

الحرية هي الأصل إسلاميًا

الإسلام مفطور على الحرية حقيقة لها تأصيل إسلامي، وهو الآية الكريمة من سورة الفاتحة: {إيّاك نعبد وإيّاك نستعين} 9. فالفاتحة يقرأها المسلم في كل ركعة من صلاته، والفروض الخمسة في اليوم فيها 17 ركعة؛ أي أن المسلم يردد في اليوم 17 مرة هذه الآية التي يتوجه بها إلى الله تعالى معاهدًا بأن يفرد الله تعالى بالعبودية متحررًا من كل خضوع لغير الله، وفي هذا تجاوز للروابط مع الماديات، وتمرد على كل موروث أو قديم يخالف عقيدة التوحيد، وفي الآية ميثاق آخر يلتزمه المسلم هو أنه يستمد العون من الله تعالى، ولا يمد يد الطلب لغير الله تعالى مما يكسب الفرد مستوى من التحرر يحقق له كرامته الإنسانية بأبهى صورها.

لقد كان التأصيل الإسلامي للحرية قائمًا على عقيدة التوحيد التي تجعل الصلة مع الله تعالى خالصة من كل قيد دنيوي، ومن كل صلة تجعل في مواقف الإنسان شكلًا من العبودية أو الخضوع لكائن مخلوق لأن في ذلك ثمة تخلٍ عن الحرية التي فطر عليها الإنسان.

وتوحيد الله الخالص من كل شائبة من شوائب الشّرك، يعني في مقدمة ما يعني أن عقل الإنسان ووجدانه قد أصبحا حرّين لا يخضعان لغير الله الواحد.

وفي حرية الفكر والوجدان هذه التي منحها الإسلام للمسلم أسمى وأروع معاني التقدير لإنسانيته.

ومن هنا خلّد الإسلام ذكرى هذه الحرية، ففرض على كل مسلم أن يتحدث عنها سبع عشرة مرة (عدد ركعات الصلاة المفروضة) في كل يوم، حين يتوجه إلى ربه في صلاته ويقرأ: {إيّاك نعبد وإيّاك نستعين * اهدنا الصراط المستقيم} 10. وعلى أساس من هذه الكرامة الإنسانية أيضًا تقوم علاقة الإنسان بالإنسان؛ فالمسلم ولدته أمه حرًّا، وعلى هذه الحرية يبني أعماله، وعليها يقيم صلته بغيره وعليها - مرة ثالثة -

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت