الصفحة 4 من 27

يثاب عند الله يوم الحساب أو يعاقب، ويُمدح سلوكه بين أفراد الأسرة الإنسانية التي يعايشها أو يُذم."11"

"فهذا الميثاق مع الله تعالى الذي يردّده المصلي 17 مرة:"إيّاك نعبد"، يشكل المرتكز الأصيل لتنمية شخصيته على أساس من الشخصية الحرة، ويزداد قدر ذلك عندما يصلي السنن والنوافل ويصبح العدد أكثر من سبع عشرة مرة."

لكن هذه الحرية ليست انفلاتا من الضوابط والقيود، ولا تفريطًا بالقيم والمبادئ، وإنما هي حرية مسؤولة أمام الله تعالى لأن الإنسان يكون حريصًا على دقة الالتزام حين يكون الأمر صلة وعلاقة مع الله، ويضعف الالتزام عند أي ميثاق مع البشر.

هذا المفهوم للفطرة المتحرّرة في أساس شخصية الإنسان مع المسؤولية أنتج مواقف إسلامية تبين ذلك، منها هذا القول لأحد المفكرين المعاصرين الذي يقول:"والإنسان في نظر الإسلام يعني الحرّ، والحرّ يعني الإنسان. لأن المسلم يمتاز عن غيره من بني جنسه بالتفكير في هدى الإسلام، ثم الموازنة بين موضوع تفكيره، وصحت موازنته، وصدر فيها حكمه."

وحرية الإنسان المسلم تكاد تخلو من القيود والضوابط ما لم تتجاوز تلك الحرية الخط الأحمر الذي يقوده إلى إلحاق الضرر بنفسه أو بغيره ممن يعايشونه على أرضه، فهاهنا فقط تتوقف حريته حتى لا تصطدم بحرية الآخرين."12"

فالحرية ليست حالة من الفردية أو الأنانية أو تقديس الذات، وإنما هي حرية مسؤولة من أجل تحقيق سعادة الدارين: دار الآخرة، ودار الحياة الدنيا. سعادة الدار الآخرة بنيل مرضاة الله تعالى، وسعادة دار الحياة الدنيا بالتزام شرع الله تعالى، والحرص على تحقيق السعادة لأهل المجتمع كله لأنه لا حرية للفرد إن كان وطنه وأمته مستعبدين.

لذلك لا بد من التوازن بين الفرد والمجتمع دون أن يطغى أحدهما على الآخر، وأساس ذلك تفكير سليم متوازن الأبعاد والمقومات يثمر قرارات حكيمة، ويلي ذلك أفعال رشيدة. فالحرية والتكريم وكل ما أعطيه الإنسان إنما هو أمانات اختُص بها ولا مناص أمامه من حملها وفق الأصول، وإذا تجاوز الحد وخضع لسلطان الغرائز والنوازع المادية يكون الحكم عليه، ما كان في الآية الكريمة {كلا إن الإنسان ليطغى} .13

الحرية تكليف وتترتب عليها مسؤوليات، وليست الحرية ضربًا من الفوضى، والتخلي عن الموقع والدور والمسؤوليات من قبل الإنسان.

لقد جاءت بهذا التوجيه الإلهي الآية الكريمة: {إنّا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلومًا جهولًا} 14.

وفي قراءة للآية {: وحُمّلها الإنسان} ؛ أي أن أمر حمل الأمانة من قبل الإنسان كان بأمر إلهي لأن الله تعالى وهب الإنسان من القدرات ما يؤهله لذلك وأوله نعمة العقل التي لم تكن لسواه. والإنسان الذي يقرر حمل الأمانة بجديّة ومسؤولية هو الذي حصّل المعارف، والتزم الحكمة، وسلك وفق أسس العدل. فالنص:"كان ظلومًا جهولًا."جاء بصيغة التنبيه والبيان الجلي بأنه لا يمكن أن يحمل الأمانة إلا من كان عادلًا عالمًا ولا يمكن أن يحملها ظالم أو جاهل.

وإذا كان الله تعالى قد اختار بني آدم لحمل الأمانة، فإن الحرية هي ضرورة للخيارات أمام كل قرار وفعل على درب الممارسة من أجل إنجاز الميثاق الذي تستلزمه الأمانة، فإن الحرية تكون عندها نعمة إلهية ملازمة للإنسان. هذا ما جعل تأصيل مفهوم الحرية عند المسلمين قائمًا منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا على تلك المقولة التي واجه بها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت