بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه
وبعد: فلقد جاء الله جل وعلا بدين عظيم، وشرع متكامل لجميع شؤون الحياة ومقوماتها، شرعٌ {لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا} [1] ، شرعٌ {لَا يَاتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [2] ؛ حدّ الله سبحانه وتعالى فيه لعباده حدودًا منضبطة واضحة، لا يتعداها إلا الظالمون، كما قال سبحانه: {وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [3] .
وقد نهى الله تعالى عباده عن نواهٍ ومحرمات، وفرض عليهم فرائضَ وواجبات؛ ولعِلْم الله سبحانه وتعالى بالعوارض التي تعرض لعبيده، ورحمته بهم، وتيسيره عليهم، كما قال تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [4] ، وقال: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [5] ، وقال: {يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [6] ، وقال: {يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ} [7] ؛ فقد أناط فِعْل الواجبات بالاستطاعة، كما قال تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [8] ، وتَرْك المحرمات بانعدام الحاجة والضرورة، كما قال تعالى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [9] ، فله جل وعلا عظيم الشكر والامتنان.
وإن من جملة ما أوجبه الله تعالى على عبيده؛ صومَ شهر رمضان، أحدُ أركان الإسلام، ومبانيه العظام. ولما كان العبد ضعيفًا لا يخلو من أسقام الحياة وأمراضها، التي كتبها الله تعالى على عباده، مما لا يستطيع معه القيام بهذا الواجب، في بعض الأحوال والأعراض، فقد أباح له الشارع الإفطار وقضاء الصيام، قال تعالى: {وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [10] .
ومع هذه الرخصة الشرعية، يحصل لعدد من المرضى، القدرة على الصيام، والاستغناء عن الطعام والشراب، مع تعاملهم بالدواء، الذي اختلفت صوره وأشكاله وطرق تعاطيه في العصر الحديث، مما حيّر المريض في سلامة صومه مع تناوله للدواء، وأصبح بحاجةٍ إلى من يبين له الحكم الشرعي اللائق بنفسه وحاله.
وقد بات الأمر بجواز الإفطار من عدمه، وتحديد ما يدخل في ذلك وما يندّ عنه؛ من المسائل التي كثر الخلاف فيها وانتشر، لأسبابٍ عديدة، من أبرزها في تقدير الباحث: ندرة وجود دراسات أو جهات، تشترك فيها الخبرة الطبية، مع العلم الشرعي، حتى
(1) الكهف: 49.
(2) فصلت: 42.
(3) البقرة: 229.
(4) البقرة 286.
(5) الحج 78.
(6) البقرة 185.
(7) النساء 28.
(8) التغابن: 16.
(9) الأنعام: 119.
(10) البقرة: 185.