تخرج الأحكام والفتاوى والقرارت، بتأصيلٍ علميٍ ناضج، مبنيٍّ على أسسٍ شرعية، ودرايةٍ طبيةٍ عملية.
مما يتعين معه من أهل العلم والفقه والرأي، أن يساهموا في حسم هذه المسائل، أو تضييق فجوة الخلاف فيها بين الفقهاء والباحثين والمفتين.
وهذا ما أراه من توفيق الله تعالى لهذا المجمع المبارك، الذي اختار هذا الموضوع (مرض السكري والصوم) ، من ضمن الموضوعات التي ستناقش في هذه الدورة.
وأزيد كيل الشكر وعظيم التقدير، لأمانة المجمع، عندما لحظت في خطاب الاستكتاب، جنوحهم في محاور البحث، إلى التأصيل والتقعيد، بعيدًا عن الإغراق في التمثيل. إذ لا يخفى على الفقيه، أن الاختلاف في تحقيق المناط، أوسع من الاختلاف في تحديده.
ولا أخفي عتبي على المجمع، عندما عرض طرفًا من الموضوع في دورةٍ سابقة، قبل أكثر من (12) سنة [1] ، بعنوان (المفطرات في مجال التداوي) ، وقد حفل الموضوع بأبحاث متينة، شرعية وطبية، وجاء في مثانيه تعاليق قيمة، وإضافات ساخنة، قد أثرت الموضوع، وفتّقت الأذهان.
إلا أن ما عابه في الأخير؛ صيغة القرار، التي قضت على كثيرٍ من زينة الموضوع وما حمله من جديد؛ إذ ضرب القرار صفحًا، عن التأصيل العلمي، ووضْعِ الأطر والضوابط التي يمكن أن يهتدي بها الباحث والفقيه، واختصر الموضوع بتعداد المفطرات بالأمثلة المجردة، وأجّل إصدار قرار في عدد من الصور لمزيد البحث والدراسة.
وكلي رجاء؛ في هذه الدورة، أن يتجه المجمع الموقر؛ لإصدار قرارٍ يحمل معايير وضوابط شرعية، لما يفطر وما لا يفطر، ويترك تنزيل الصور لاختلاف النظّار ورأي المُجتهدين.
ومما يبعث في النفس الأمل، أن معالي الأمين الحالي للمجمع، كان أحد المنادين لأن تتجه لجنة الصياغة إلى وضع ضوابط في ذلك، في الدورة المشار إليها [2] .
وإن اختيار مثل هذا الموضوع (مرض السكري والصوم) ، كنموذج ومثال، لا يؤثر في تقرير الضوابط في شيء.
وأعتذر عن الإطالة في المقدمة، إلا أني أحسب أن تقديمها بين يدي الموضوع، يُفسّر تركيز هذا البحث على جانب التأصيل، واستخلاص الضوابط الشرعية التي تحكم (المريض) ، و (المرض) ، و (الدواء) ؛ في مجال الصيام، وما كان (مرض السكري) إلا مجرد أنموذجٍ على ذلك. ولذا فقد ارتأيت أن ينتظم الموضوع، في المباحث التالية:
المبحث الأول: تعريف الصوم.
المبحث الثاني: حد المرض المبيح للفطر.
المبحث الثالث: مدرك الخلاف في مناط الإفطار:
المطلب الأول: العلة الجامعة لمفسدات الصيام.
المطلب الثاني: الجوف المعتبر في الإفطار.
(1) الدورة العاشرة، المنعقدة في جدة، بالمملكة العربية السعودية، في الفترة من 23 - 28/صفر/1418هـ.
(2) ينظر: مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد العاشر (2/ 401، 404) مداخلة د. عبد السلام العبادي.