فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 38

الإفطار ليس فيها مزيد يُسر، وهو المعنى الذي لأجله أباح الشارع للمريض الترخص في الإفطار، وبزوال العلة يزول الحكم [1] .

قال ابن قدامة: (المرض المُبيح للفطر، هو الشديد الذي يزيد بالصوم، أو يخشى تباطؤ برئه) [2] .

ويلحق به: الإنسان الصحيح، لكن يخشى المرض فيما لو صام، قال ابن قدامة: (والصحيح الذي يخشى المرض بالصيام؛ كالمريض الذي يخاف زيادته في إباحة الفطر؛ لأن المريض إنما أُبيح له الفطر؛ خوفًا مما يتجدّد بصيامه من زيادة المرض وتطاوله، فالخوف من تجدد المرض في معناه) [3] .

وليس (خشية المرض) على إطلاقها بالتأكيد، بل المقصود: حصول يقين، أو ظن غالب، بحصول المرض [4] .

وأحسب أن هذا التقرير كافٍ، وإلا ففي البحث زيادة لمستزيد، ويحتمل تشقيق المسألة، إلى تحديد ضابط المشقة التي يباح معها الصيام، وإن كان ضبط مثل ذلك لا مطمع فيه، إذ ليس بالوسع اعتماد حدٍّ في ذلك، وماذاك إلا أن الشارع لم يقصد - والله تعالى أعلم- تحديد ذلك، فلِمَ نتكلّف ما لم يكلّفنا الله تعالى به؟

يؤيد ذلك أن جملةً من التخفيفات الشرعية، قد أقام الشارع فيها السبب مقام العلة، مما يؤكد أن المشقة المعتبرة في التخفيفات ليس لها ضابط مخصوص، ولا حد محدود يطّرد في جميع الناس.

فكانت الرخصة إضافية بالنسبة إلى كل مُخاطبٍ بنفسه، بمعنى أن كل أحدٍ -في الأخذ بالرخصة- فقيهُ نفسه، ما لم يحد فيها حد شرعي فيقف عنده [5] .

فالواجب على العالم والفقيه والمفتي أن يبين حكم الله تعالى للعامي والسائل، وأن يُفهِمَه حدود الرخصة الشرعية، وأما ما وراء ذلك فليس من مهمته، إذ يُديّن السائل فيما بينه وبين الله تعالى، في دخول محله أو حاله أو زمانه أو مكانه في حدود الرخصة، وهو ما يسمى بتحقيق المناط.

إن تقرير ما تقدم، كفيلٌ بالإجابة عمّا جاء في خطاب الاستكتاب من طلب بيان مدى اختلاف حكم الصوم في الحالات المرضية، بحسب: الحالة العمرية للمريض (كبار السن) ، وحالة الحمل (للمرأة) ، ونحو ذلك.

-خلاصة ما تقدم:

أن المريض الذي يباح له الفطر له أحوال:

1 -المريض الذي لا يطيق الصوم بحال، ولا يقدر عليه؛ فهذا غير مكلّف به. وينبغي أن يكون حكم مثل هذه الحال، من المعلوم بالضرورة للعامي قبل العالم.

قال الشاطبي: قد وقع (الإجماع على أن تكليف ما لا يطاق غير واقع في الشريعة) [6] .

(1) يراجع: تفسير الطبري (2/ 150) .

(2) المغني (4/ 404) .

(3) المغني (4/ 404 - 405) .

(4) واعتراض بعض الباحثين على ذلك غير مسلّم. ينظر: مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد العاشر (2/ 368) مداخلة الشيخ عبد الله بن منيع، و (2/ 377) إجابة د. وهبة الزحيلي، و (2/ 439) إجابة الشيخ المختار السلامي.

(5) يراجع: الموافقات (1/ 314 - 315) والكلام ملفق منه.

(6) الموافقات (1/ 150) بتصرف يسير. وينظر: مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد العاشر (2/ 13) بحث مفتي تونس الشيخ محمد المختار السلامي، وهو بحث نفيس مؤصل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت