فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 38

المبحث الثاني

حد المرض المبيح للفطر

يقول الله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [1] .

فهذه الآية الكريمة نص واضح في أن المريض من أصناف المعذورين من الصيام، وجواز قضائه بعد حين.

وليس هذا محل خلاف أو إشكال، وإنما المقصود: هل كل مريض يباح له ذلك؟

ظاهر الآية الكريمة أن كل من شمله مسمّى المرض هو كذلك، حتى لو كان وجع الإصبع، وهو ما ذهب إليه أفراد من السلف [2] ؛ إلا أن هذا الظاهر غير مراد بالتأكيد، كما تتابعت عليه أفهام جماهير السلف والعلماء.

فقد ذهب جمع من السلف إلى أنه المرض الذي لا يطيق صاحبه معه القيام لصلاته، وذهب آخرون إلى أنه: كل مرض كان الأغلب من حال صاحبه مع الصوم أن يزيد في علته زيادة غير محتملة [3] .

فليس كل مرض يباح معه الفطر، كما أنه ليس كل مرض يباح معه التيمم.

ولذلك قال الشافعي، وهو من هو في الفقه واللغة:

(المرض: اسمٌ جامعٌ لمعانٍ، لأمراض مختلفة، فالذي سمعتُ: أن المرض الذي للمرء أن يتيمم فيه: الجراح) [4] .

فهذا التقرير نفيس جدًا، يبين أن المرض له إطلاق واسع، وليس المراد بإطلاق الشارع له، كل ما يجمعه اسم المرض من معنى، وإنما المراد: المعنى الذي تحققت فيه العلة التي من أجلها أباح الشارع الرخصة فيه [5] .

ولذلك قال ابن قدامة: (المرض لا ضابط له، فإن الأمراض تختلف، منها ما يضر صاحبه الصوم، ومنها ما لا أثر للصوم فيه ... فلم يصلح المرض ضابطًا، وأمكن اعتبار الحكمة: وهو ما يُخاف منه الضرر، فوجب اعتباره بذلك) [6] .

فالتحقيق أن من كان الصوم يجهده جهدًا غير محتمل، سواءٌ بتأخر برئه، أو بزيادة مرضه، فله الإفطار وقضاء عدة من أيام أخر، وذلك بأنه إذا بلغ ذلك الأمر به هذا المبلغ، ولم يؤذن له في الإفطار، فقد كلفناه عسرًا ومنعناه يسرًا، وذلك خلاف ما أخبر الله به في الآية نفسها بقوله: {يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} .

وأما من كان الصوم لا يُجهده، فإنه بمعنى الصحيح الذي يطيق الصوم، فعليه أداء فرضه، وصوم الواجب في وقته، وإيجابنا له ذلك ليس فيه عسر، كما أن إباحتنا له

(1) البقرة: 185.

(2) كعطاء وابن سيرين. ينظر: تفسير الطبري (2/ 150) ، أحكام القرآن لابن العربي (1/ 77) ، المغني (4/ 404) . وبعض الباحثين اعتذر لابن سيرين بأنه كان يتناول علاجًا للتخفيف من وجع إصبع، ينظر: مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد العاشر (2/ 423) ولا وجه له.

(3) ينظر: تفسير الطبري (2/ 149 - 150) .

(4) الأم (1/ 42) .

(5) ينظر: الأم (1/ 42 - 43) .

(6) المغني (4/ 404) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت