الصفحة 15 من 15

المبحث الثالث

مجالات حرية التعبير عن الرأي

إن القول بالرأي في الدين وقضاياه؛ قسمان: قسم لايجوز فيه القول بالرأي؛ لأن الله تعالى تعبدنا به، وأمرنا بالانقياد له، ولا يصح القياس فيه، فليس لأحد أن يقول بزيادة ركعة في صلاة من الصلوات الخمس المفروضة، وعليه يُحمل ماورد عن علي رضي الله عنه حيث يقول:"لو كان الدِّينُ بِالرَّايِ؛ لَكَانَ أَسْفَلُ الْخُفِّ أَوْلَى بِالْمَسْحِ من أَعْلَاهُ، وقد رأيت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَمْسَحُ على ظَاهِرِ خُفَّيْهِ" [1] . مع أن ما يتسخ غالبا هو الأسفل حال المشي على الخفاف؛ ولكن المسح المشروع هو لما كان أعلى الخف، وقسم: يجوز القول فيه بالرأي إن لم يكن ثم نص.

قال المناوي:"المصير إلى الرأي إنما يكون عند فقد النص كما يشير إليه قول الشافعي فيما خرجه البيهقي بسند قال ابن حجر: صحيح إلى أحمد؛ سمعت الشافعي يقول: القياس عند الضرورة، ومع ذلك فليس العامل برأيه على ثقة من أنه وقع في المراد من الحكم في نفس الأمر، وإنما عليه بذل الوسع في الاجتهاد ليؤجر ولو أخطأ" [2] .

وهل لحرية التعبير عن الرأي حد فاصل؟ يقول الدكتور عبد المحسن التركي في هذا الصدد:(لا حد لحرية الرأي والفكر في الإسلام، إلا الحفاظ على أصول الدين وأركان الإسلام وقيمه وحدوده، ورعاية المصالح العامة. فالاجتهاد مباح ومطلوب، في أمور الدين والدنيا، ولا ينُكر منه إلا ما يهدم أصلا من أصول العقيدة أو التشريع، أو يهدر قيمة خلقية من أخلاق الإسلام، أو يقصد فتنة الناس وإضلالهم. فحرية الرأي المنضبطة بضوابط الشرع، تبني المجتمع الإسلامي، وتصحح أخطاءه، وتبصره بطريق الهداية والفلاح في أموره العامة.

ولم تكن حرية الفكر والرأي، مطلقة في أي مجتمع، للذين يخرجون على ما تقرر من أصول الاعتقاد ومكارم الأخلاق، مهما كانت معتقداتهم، فالحرية المطلقة، هي الفوضى المطلقة) [3] .

(1) أخرجه أبوداود في سننه."الحديث (162) . قال ابن حجر في الفتح (4/ 192) :"ورجال إسناده ثقات".وقال في موطن آخر (13/ 289) :"وسنده حسن".وقال في تلخيص الحبيرفي أحاديث الرافعي الكبير (1/ 160) :"وإسناده صحيح".واحتج بالحديث الشوكاني في نيل الوطار (1/ 231) وصححه."

(2) فيض القدير شرح الجامع الصغير 5/ 295.

(3) حقوق الإنسان في الإسلام؛ للدكتور/عبدالله التركي صـ35.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت