لِلدِّينِ بَلْ غَايَتُهُ أَنَّهُمْ خَيَّرُوا بين قَبُولِهِ وَرَدِّهِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ ما أُبِيحَ لِلْمُضْطَرِّ من الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ الذي يَحْرُمُ عِنْدَ عَدَمِ الضَّرُورَةِ إلَيْهِ" [1] ."
6.الأصل في النصيحة للحاكم والمحكوم: الأصل في مناصحة الولاة والإنكار عليهم أن تكون بالسِّر لا بالجهر. وهو الأصل في النصيحة عمومًا. فعن عياض بن غُنْم رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أراد أن ينصح لذي سلطان فلا يبده علانية, وليأخذ بيده فإن سمع منه فذاك و إلا كان أدَّى الذي عليه) [2] ، وعن أسامة بن زيد رضي الله عنه أنه قيل له: ألا تدخل على عثمان لتكلِّمه؟ فقال: (أترون أني لا أكلمه إلا أُسمعكم؟ والله لقد كلَّمتُهُ فيما بيني وبينه من دون أن أفتح أمرًا لا أحب أن أكون أول من فتحه) [3] ومراده أنّه لا يفتح باب المجاهرة بالنكير على الإمام لما يخشى من عاقبة ذلك [4] .قال الشوكاني - رحمه الله: (ينبغي لمن ظهر له غلط الإمام في بعض المسائل: أن يناصحه ولا يظهر الشناعة عليه على رؤوس الأشهاد) [5] . والأصل في نصح عامة المسلمين أن ينصح المخطئ والمقصّر سرًا وعلى ذلك كان السلف قال الفضيل بن عياض رحمه الله: (المؤمن يستر وينصح والفاجر يهتك ويعير) [6] ،ومع ذلك فإنه إذا لزم الأمر ودعا الموقف إلى التشهير بمنكر وفاعله فإن ذلك سائغ؛ إذا كانت المصلحة فيه راجحة على المفسدة؛ كما فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث عمر على الصدقة فقيل منع ابن جميل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما ينقم ابن جميل إلا أن كان فقيرًا فأغناه الله) [7] . قال ابن حجر: (في الحديث العتب على من منع الواجب وجواز ذكره في غيبته بذلك) [8] .
(1) إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم الجوزية (1/ 67) .
(2) السنة لابن أبي عاصم (2/ 507) ؛ مسند الإمام أحمد (3/ 403) ؛ المستدرك للحاكم (3/ 390) , السنن الكبرى للبيهقي (8/ 164) و غيرهم قال الهيثمي رجاله ثقات (مجمع الزوائد(5/ 229 ) ) ؛ وصححه الألباني (ظلال الجنة 2/ 507) .
(3) صحيح البخاري 7098؛ صحيح مسلم 2989.
(4) فتح الباري (13/ 52) .
(5) السيل الجرار (4/ 556) .
(6) جامع العلوم والحكم ص 81.
(7) صحيح البخاري 1468, مسلم 983.
(8) فتح الباري 3/ 392.