الصفحة 13 من 15

مبين، وزيغ كبير، والعالم يشهد اليوم صورا فاضحة لانتهاكاتٍ لحقوق كبيرة تحت غطاء"حرية التعبيرعن الرأي"، فيُسب النبي صلى الله ويصور بصور بشعة، متجاهلين كل النصوص والأعراف والمواثيق التي تنص على حرمة ذلك، ونحن على يقين من جزاء الله لهؤلاء إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [1] .

3.أن يكون التعبيرعن هذا الحق وَفْق الوسائل المشروعة، فلا يجوز بحال أن تُسلكَ سبيلٌ غيرُ مشروعةٍ للتعبير عن حق؛ كمن يستعمل المحرمات بقصد أن يتوب الناس مثلًا، وهذا الضابط هو الذي يميّز أهل السُّنة عن غيرهم وهذا هو الذي يكفل البقاء على الجادة مؤذنًا بطاعة الله ورسوله. وليس نبل المقصد وحسن الهدف مسوغًا لمعصية الله ورسوله ومخالفة قواعد الشريعة، فإن ما خالفها ضررٌ وفساد، ولا يترتب عليه مصلحة وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا [2] . وتأمل أن النبي صلى الله عليه وسلم كره استعمال الناقوس للإعلام بدخول وقت الصلاة - قبل الأمر بالأذان - لما فيه من مشابهة النصارى مع كون الهدف هو الدعوة إلى العبادة والاجتماع لها. ففي السنن أنه لما كثر الناس طلبوا أن يعلموا وقت الصلاة بشيء يجمعهم لها، فقالوا: لو اتخذنا ناقوسًا وقال: بعضهم: لو اتخذنا بوقا، وقال بعضهم: لواتخذنا نارا، فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أمر بالنداء للصلاة. [3]

4.أن يُربط التعبير عن الحق بالمصلحة؛ فما وافق مصلحة وغلب على الظن أنه سيُصلِح فعبِّرعنه، وإلا فالحكمة في السكوت، فما كل ما يُعلم يقال، وما كل ما يقال يُصدَّق. وقد قال الشاطبي رحمه الله في الموافقات:"وقال علي رضي الله عنهم: حدثوا الناس بما يفهمون [4] ؛ أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟! فجعل إلقاء العلم مقيدا، فربّ مسألة تصلح لقوم دون قوم، وقد قالوا في الرباني: إنه الذي يعلم بصغار العلم قبل كباره، فهذا الترتيب من ذلك، وروى عن الحرث ابن يعقوب قال: الفقيه كل الفقيه من فقه في القرآن وعرف مكيدة الشيطان [5] "وفي حديث معاذ رضي الله عنه كما في الصحيح لما قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم:"أفلا أبشرهم؟ قال: (لاتبشرهم فيتكلوا) [6] "، فدل على أن من المصلحة أحيانا كتم شيء من العلم عن بعض الناس؛ خشية أن يضرهم، وهذا درس من رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع العلم أن معاذا أخبر بذلك قبل موته خشية الإثم لكتم العلم.

5.أن يكون الرأيُ حقًا، لاباطلا يُماحِك به الإنسان ويجادل، ومن هنا فالمسلم يعلم أنه مسؤول أمام الله تعالى عن ما يلفظ به لسانه؛ كما قال تعالى مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [7] . وقد أورد ابن القيم رحمه الله كلاما نفيسا حول أنواع الرأي في إعلام الموقعين أسوقه هنا:"أقسام الرَّاي: وإذا عُرِفَ هذا فَالرَّايُ ثَلاثَةُ أَقْسَامٍ: رَايٌ بَاطِلٌ بِلَا رَيْبٍ، وَرَايٌ صَحِيحٌ، وَرَايٌ هو مَوْضِعُ الِاشْتِبَاهِ، وَالْأَقْسَامُ الثَّلَاثَةُ قد أَشَارَ إلَيْهَا السَّلَفُ فَاسْتَعْمَلُوا الرَّايَ الصَّحِيحَ وَعَمِلُوا بِهِ وَأَفْتَوْا بِهِ وَسَوَّغُوا الْقَوْلَ بِهِ، وَذَمُّوا الْبَاطِلَ وَمَنَعُوا من الْعَمَلِ وَالْفُتْيَا وَالْقَضَاءِ بِهِ وَأَطْلَقُوا أَلْسِنَتَهُمْ بِذَمِّهِ وَذَمِّ أَهْلِهِ، وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ سَوَّغُوا الْعَمَلَ وَالْفُتْيَا وَالْقَضَاءَ بِهِ عِنْدَ الِاضْطِرَارِ إلَيْهِ حَيْثُ لَا يُوجَدُ منه بُدٌّ، ولم يُلْزِمُوا أَحَدًا الْعَمَلَ بِهِ، ولم يُحَرِّمُوا مُخَالَفَتَهُ، وَلَا جَعَلُوا مُخَالِفَهُ مُخَالِفًا"

(1) سورة الفجر: آية 9.

(2) سورة الأحزاب: آية 36.

(3) سنن أبي داود 499؛ سنن الترمذي 189 وصحّحه؛ مسند أحمد (4/ 43) .

(4) في البخاري. كتاب العلم. باب: من خص بالعلم قوما دون قوم؛ كراهية أن لايفهموا. برقم (127) . ونصه"حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله"

(5) الموافقات في أصول الفقه لإبي إسحاق إبراهيم بن موسى اللخمي الغرناطي المالكي (4/ 102) .

(6) كتاب: الجهاد والسير. باب: اسم الفرس والحمار. رقم الحديث (2856) .

(7) سورة ق. آية (18) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت