فملأت أذنيه، ثم رجعت. [1] وقد روي مرفوعا في صحيح ابن حبان [2] .
8 -التعبير عن الرأي تُجاه الأشخاص وتقييمهم إن كان في ذلك مصلحة متحققة، فهو حقٌ منحه الشارع لكل فرد، ويدلنا على مشروعية ذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم كما عند البخاري عن عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ رَجُلًا اسْتَاذَنَ على النبي صلى الله عليه وسلم فلما رَآهُ قال: (بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ وَبِئْسَ بن الْعَشِيرَةِ، فلما جَلَسَ تَطَلَّقَ النبي صلى الله عليه وسلم في وَجْهِهِ وَانْبَسَطَ إليه، فلما انْطَلَقَ الرَّجُلُ قالت له عَائِشَةُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! حين رَأَيْتَ الرَّجُلَ قُلْتَ له: كَذَا وَكَذَا، ثُمَّ تَطَلَّقْتَ في وَجْهِهِ وَانْبَسَطْتَ إليه؟! فقال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:(يا عَائِشَةُ مَتَى عَهِدْتِنِي فَحَّاشًا؟! إِنَّ شَرَّ الناس عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يوم الْقِيَامَةِ من تَرَكَهُ الناس اتِّقَاءَ شَرِّهِ) [3] .
نقل ابن حجر رحمه الله في"الفتح" [4] رأي الخطابي في قول الرسول عليه السلام: (بئس أخو العشيرة) وهوأنه من خصائصه صلى الله عليه وسلم، فرد ابن حجر ذلك وقال:"وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ كُلّ مَنْ اِطَّلَعَ مِنْ حَال شَخْص عَلَى شَيْء وَخَشِيَ أَنَّ غَيْره يَغْتَرّ بِجَمِيلِ ظَاهِره فَيَقَع فِي مَحْذُور مَا، فَعَلَيْهِ أَنْ يُطْلِعهُ عَلَى مَا يَحْذَر مِنْ ذَلِكَ قَاصِدًا نَصِيحَته .."وقد بوب البخاري في صحيحه بابا أسماه: باب ما يجوز من اغتياب أهل الفساد، وأورد فيه حديث عائشة رضي الله عنها، ونقل ابن حجر قول ابن بطال فقال:"وَحَاصِله أَنَّهُ حَيْثُ ذَمَّهُ كَانَ لِقَصْدِ التَّعْرِيف بِحَالِهِ، وَحَيْثُ تَلَقَّاهُ بِالْبِشْرِ كَانَ لِتَالِيفِهِ أَوْ لِاتِّقَاءِ شَرّه، فَمَا قَصَدَ بِالْحَالَتَيْنِ إِلَّا نَفْع الْمُسْلِمِينَ" [5] وقرر ابن حجر جواز تعبير المسلم عن رأيه تُجاه الأشخاص في حالات ذكرها العلماء فقال:"قَالَ الْعُلَمَاء: تُبَاح الْغِيبَة فِي كُلّ غَرَض صَحِيح شَرْعًا حَيْثُ يَتَعَيَّن طَرِيقًا إِلَى الْوُصُول إِلَيْهِ بِهَا: كَالتَّظَلُّمِ، وَالِاسْتِعَانَة عَلَى تَغْيِير الْمُنْكَر، وَالِاسْتِفْتَاء، وَالْمُحَاكَمَة، وَالتَّحْذِير مِنْ الشَّرّ، وَيَدْخُل فِيهِ تَجْرِيح الرُّوَاة وَالشُّهُود، وَإِعْلَام مَنْ لَهُ وِلَايَة عَامَّة بِسِيرَةِ مَنْ هُوَ تَحْت يَده، وَجَوَاب الِاسْتِشَارَة فِي نِكَاح أَوْ عَقْد مِنْ الْعُقُود، وَكَذَا مَنْ رَأَى مُتَفَقِّهًا يَتَرَدَّد إِلَى مُبْتَدِع أَوْ فَاسِق وَيُخَاف عَلَيْهِ الِاقْتِدَاء بِهِ. وَمِمَّنْ تَجُوز غِيبَتهمْ مَنْ يَتَجَاهَر بِالْفِسْقِ أَوْ الظُّلْم أَوْ الْبِدْعَة .." [6]
وجه الشاهد: أن النبي صلى الله عليه وسلم عبّر عن رأيه في ذلك الرجل؛ ليكشف لمن حوله عن حاله، فيتقوه ويحذروه، وفي ذلك مصلحة ظاهرة.
9 -(المسلمون مطالبون بالتناصح والتشاور في أمورهم العامة، يقول الله تعالى مخاطبا نبيه عليه الصلاة والسلام وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [7] ، ويمتدح الله، المجتمع المسلم الذي يكون من صفاته وآدابه الشورى وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ [8] [9] .
وجه الشاهد: ... أن في حث الشرع على الشورى حث على التعبير عن الرأي وإبدائه.
المبحث الثاني
ضوابط وشروط حرية التعبير عن الرأي
1.أن يكون الرأي مستنبطا من شرع الله تعالى، لا أن يكون فهما خاصا يُعبِّرعنه الإنسان، ويكون مخالفا للشرع وقواعده، وفهمِ سلف الأمة الأخيار، واللغةِ العربية، ولو لم يكن منصوصا عليه بعينه، فإن الكثير من الأراء التي يحتاجهاالناس ليس فيها نص، ولم ينطق بها الشرع بعينها، وإنما هو النظر بمالايخالف الشرع، ويحقق المصحلة المعتبرة، وقد قرر ذلك ابن القيم رحمه الله في كتابه (الطرق الحكمية) أبين إيضاح، وذكر ماجرى من حوار في هذا الشأن بين أبي الوفاء بن عقيل وبين عالم شافعي [10] ،وأما إن كان الرأي مخالفا للشرع، أو محققا لمصالح ملغاة في الشر u ، ويحقق مفسدة فلا يجوز التعبير عنه مطالبة به، ولا الأخذ به، وفي هذا يقول ابن القيم رحمه الله في كتابه مدراج السالكين بعدما ناقش بعض الطوائف؛ ومنهم أهل الكلام قال:"وهؤلاء كلهم داخلون تحت الرأي الذي اتفق السلف على ذمه وذم أهله، فهم أهل الرأي حقا الذين قال فيهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إياكم وأصحب الرأي فإنهم أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا، وقال أيضا: أصحاب الرأي أعداء السنن، أعيتهم أن يحفظوها، وتفلتت عليهم أن يرووها فاشتغلوا عنها بالرأي، وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: أي أرض تقلني، وأي سماء تظلني إن قلت في كتاب الله برأيي، أو بما لا أعلم، وقال عمررضي الله عنه: ياأيها الناس إن الرأي كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم مصيبا؛ لأن الله عزوجل كان يريه، وإنما هو منا الظن والتكلف [11] " [12]
فلا يجوز القول بدون أثارة من علم، وقد شدد العلماء في هذا فقال ابن تيمية رحمه الله:"فلو أنه أصاب المعنى في نفس الأمر لكان قد أخطأ؛ لأنه لم يأت الأمر من بابه"ثم مثل بمثال فقال:"سمى الله القَذَفَة كاذبين فقال تعالى: فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ [13] فالقاذف كاذب ولو كان قد قذف من زنى في نفس الأمر؛ لأنه أخبر بمالايحل له الإخبار به، وتكلف مالا علم له به" [14] .
2.إذا كان الرأي يتعلق بأشخاص أو هيئات ومؤسسات ونحوها فلابد من الاحترام في طرح وجهة النظر؛ لتكون أدعى للقبول، وأوفقَ لمراد الله تعالى حيث يقول تعالى: وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ [15] قال ابن كثيررحمه الله:"أمر تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يأمر عباد الله المؤمنين، أن يقولوا في مخاطباتهم ومحاوراتهم الكلام الأحسنَ والكلمة الطيبة؛ فإنه إذ لم يفعلوا ذلك، نزغ الشيطان بينهم، وأخرج الكلام إلى الفعال، ووقع الشر والمخاصمة والمقاتلة، فإن الشيطان عدو لآدم وذريته .." [16] ، فالتهجم على الذات الإلهية أو على شخص النبي عليه الصلاة والسلام ودعوته، أو على شعائر الدين بالاستهزاء ونحو ذلك انحرافٌ
(1) انظر المنتخب من مسند عبد بن حميد؛ لعبد بن حميد بن نصر أبو محمد الكسي. (1/ 275) . مكتبة السنة. القاهرة. ط عام 1408هـ. تحقيق: صبحي البدري ومحمود الصعيدي
(2) صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان (1/ 511) ؛ لمحمد بن حبان بن أحمد التميمي البستي (ت354) . مؤسسة الرسالة. بيروت. ط 2. عام 1414هـ.
(3) صحيح البخاري، كتاب: الأدب، باب: المداراة مع الناس. برقم (6131) .
(6) المرجع السابق.
(7) سورة آل عمران: الآية 159.
(8) سورة الشورى: الآية 38.
(9) انظرحقوق الإنسان في الإسلام للشيخ الدكتور: عبدالله التركي صـ53.
(10) الطرق الحكمية؛ لابن القيم صـ 16.
(11) وقد صحح ابن حزم رحمه الله في المحلى الأثر الوارد عن أبي بكر رضي الله عنه الله عنه بنصه، وكذلك ماورد عن عمر رضي الله عنه بنحوه. انظر (1/ 61) . ط/دار الآفاق الجديدة -بيروت. بتحقيق: لجنة إحياء التراث العربي.
(12) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين لابن القيم (3/ 438) .
(13) سورة النور: آية 13.
(14) مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية؛ أحمد بن عبدالحليم بن تيمية الحراني؛ أبو العباس (13/ 371) .
(15) سورة الإسراء: آية 53.