الصفحة 11 من 15

الشعيرة؛ ولا يُقر بالمنكر، وقد أكد الرسول عليه الصلاة والسلام على هذا الحق فقال كما في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعا: (مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ) [1] .

وجه الشاهد: أن النبي صلى الله عليه وسلم أوجب في الحديث تغيير المنكر على كل إنسان حسب قدرته [2] ، وبيّنَ المراتبَ للإنكار ووسائله، وقرن الله تعالى في الآية الكريمة بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله؛ ليؤكد أهمية الشعيرة العظيمة، وأنها دليل صدق الإيمان، وهذا يدلنا على إيجاب إبداء الرأي فيما يراه المسلم في الحياة غيرَ موافقٍ لما يحبه الله تعالى، أو غير موافق لمصلحة الفرد والمجتمع، وأن ذلك من لازم الإيمان.

7 -عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَوَّلُ مَنْ بَدَأَ بِالْخُطْبَةِ يَوْمَ الْعِيدِ قَبْلَ الصَّلَاةِ مَرْوَانُ [3] ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: الصَّلَاةُ قَبْلَ الْخُطْبَةِ! فَقَالَ: قَدْ تُرِكَ مَا هُنَالِكَ. فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: أَمَّا هَذَا فَقَدْ قَضَى مَا عَلَيْهِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ) . [4] وهذا الحديث عند مسلم وفيه أن الرجل المنْكِر على مروان بن الحكم رجلٌ مبهم لم يُسم، وجاء عند البخاري [5] أن الذي أنكر عليه، بل وجبذه، هو أبو سعيد نفسه، قال النووي رحمه الله في شرح مسلم:"فَيُحْتَمَل أَنَّهُمَا قَضِيَّتَانِ إِحْدَاهُمَا لِأَبِي سَعِيد وَالْأُخْرَى لِلرَّجُلِ بِحَضْرَةِ أَبِي سَعِيد". [6] وهذا ماجزم به ابن حجر رحمه الله في"الفتح" [7] .

وجه الشاهد: أن أبا سعيد [8] رضي الله عنه طبّق عمليا ما تعلمه من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فعبّر عن رأيه بما رآه مخالفا لهدي الشرع، وهذا تأكيد على عناية الصحابة بحرية التعبير عن الرأي وأنه حق حتى مع الخلفاء والأمراء. قال الحافظ ابن حجر في"الفتح" [9] بعدما ساق الحديث:"وَفِيهِ: إِنْكَارُ الْعُلَمَاءِ عَلَى الْأُمَرَاءِ إِذَا صَنَعُوا مَا يُخَالِفُ السُّنَّةَ".ومعلوم - كما سيأتي- أن ذلك وَفْق الضوابط والمصالح المرعية.

وقد جاء في مسند عبد بن حُميد: عن أبي مسلمة قال: سمعت أبا نضرة، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لاَ يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ مَخَافَةُ النَّاسِ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِحَقٍّ إِذَا عَلِمَهُ) [10] ، قال أبو سعيد: فقد حملني ذلك على أن ركبت إلى معاوية

(1) صحيح مسلم. باب: كون النهي عن المنكر من الإيمان (1/ 167) برقم (70) .

(2) قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مواطن من كتبه. انظر مجموع الفتاوى (6/ 337) .

(3) قال ابن حجر في الإصابة في معرفة الصحابة (3/ 134) : (مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي أبو عبد الملك. وهوا بن عم عثمان وكاتبه في خلافته. يقال: ولد بعد الهجرة بسنتين وقيل: بأربع .. ) وقيل غير ذلك. وفي تحقيق القول في صحبته قال ابن حجر في الإصابة في نفس الموطن:"لم أر من جزم بصحبته، فكأنه لم يكن حينئذ مميزًا، ومن بعد الفتح أُخرِج أبوه إلى الطائف وهو معه فلم يثبت له أزيد من الرؤية".

(4) الحديث السابق. انظر حاشية (10) .

(5) انظر: صحيح البخاري؛ كتاب: العيدين. باب: الخروج إلى المصلى بغير منبر. برقم (956) .

(6) انظر شرح صحيح مسلم (1/ 131) .

(7) انظر (3/ 377) .

(8) هو:"سعد بن مالك: بن سنان بن عبيد بن ثعلبة بن الأبجر وهو خدرة بن عوف بن الحارث بن الخزرج الأنصاري الخزرجي أبو سعيد الخدري. مشهور بكنيته استصغر بأحد واستشهد أبوه بها وغزا هو ما بعدها. انظر الإصابة (1/ 433) ."

(10) رواه أحمد، حديث رقم: 11403

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت