المبحث الثالث
إن الظروف الاقتصادية والاجتماعية الجديدة والمتغيرة دائما تنشأ عنها حاجات لا حصر لها. وتتنوع الصور الجديدة للوقف بتنوع هذه الحاجات التي يُطلب تلبيتها. وقد أوجدت المجتمعات المعاصرة حاجات عامة كثيرة من وجوه البر منها ما هو دائم بطبيعته ومنها ما هو غير دائم، إما بسبب طبيعة الحاجة التي يلبيها، وإما لأنه لا حاجة أو لا رغبة عند الواقف بديمومته. كما أن من هذه الأوقاف ما ينتهي بفناء مال الوقف نفسه كما سنرى، ومنها ما يعود فيه مال الوقف إلى الواقف بعد انقضاء المدة التي وقِّت الوقف لها، ومنها ما يبقى وقفا على سبيل التأبيد.
ومما ينبغي أن يذكر أن لمسائل الضرائب والإعفاءات منها أو التخفيضات فيها علاقة كبيرة بصور الأوقاف الحديثة. بحيث يخترع الناس من الصور الوقفية بقدر ما تجود به أذهان المخططين الماليين Financial Planners الذين يبتكرون دائمًا صورًا جديدةً تتناسب مع البنية الضريبية في كل بلد. وسنعرض في هذا المبحث لبعض صور مستجدة للوقف في الأسهم والصكوك والحقوق والمنافع.
أولا- وقف النقود
عرف فقهاؤنا التراثيون وقف النقود، فمنهم من قال بجواز ذلك ومنهم من منع. ومدار خلافهم، هو إمكان استعمالها دون استهلاك عينها أم لا. فمنهم من أجاز وقف النقود لاتخاذها زينة قياسًا على جواز تأجيرها لهذا الغرض على خلافٍ في ذلك. [1] ومنهم من قال بجواز وقفها لإقراضها، لأن ما يرد في القرض يقوم مقام ما استهلك من قبل المقترض عند أخذ القرض. [2] ومنهم من قال بوقفها لتستثمر مضاربة، ثم يوزع ربحها على أغراض الوقف [3] . كل ذلك قد يعني أن الجديد في وقف النقود، وما يعبر عنه في العادة بوحدات النقود، ليس كثيرًا. فقد أغنانا فقهاؤنا رحمهم الله عن كثرة الخوض في هذا الصنف من الأوقاف.
ولكن الحقيقة هي أكثر من ذلك، إذ يمكن أن توجد صور جديدة لوقف النقود وما هو في مقامها، بل إن بعضها قد وجد فعلا فيما لدى الناس من أنواع المعاملات. وإن سبب ظهور الصور الجديدة إنما هو تطور أنماط جديدة من أساليب استثمار، وأشكال مؤسسية في النشاط الاقتصادي.
صور جديدة من وقف النقود
فلقد أدى الواقع المعاصر في وسائل وأدوات الاستثمار إلى إمكان نشوء أشكال جديدة من وقف النقود. سنناقش منها وقف النقود في محافظ استثمارية، ووقف الإيراد النقدي ووقف الاحتياطي لدى شركات المساهمة.
1 -وقف النقود في محافظ استثمارية
وأول هذه الصور وقف النقود في محافظ أو صناديق استثمارية. وهي تقوم أساسا على فكرة المضاربة نفسها أو على فكرة الوكالة (إجارة المدير) وكلاهما تحدث عنهما الفقهاء، مع ملاحظة أنه تقوم إدارة واحدة لأموال مجموعة من أرباب أموال عديدين، وهو أمر أشبعه بحثا الفقهاء المعاصرون، من الذين اهتموا بالمعاملات المالية المعاصرة
(1) المجموع، ج15، ص 320 وما بعدها.
(2) الزرقا، ص 48، وانظر كذلك حاشية ابن عابدين، ج4. باب الوقف.
(3) الزرقا، نفسه، وهو عند المالكية أيضا، انظر الحطاب والمعيار المعرب.