الصفحة 16 من 27

بحيث يقوم المشروع أو الصندوق باستدراج التبرعات الوقفية لمشروع معين، أو لغرض معين. ثم يستعمل النقود المحصلة التي تتحصل بهذه الطريقة في بناء الوقف الذي يتمثل به غرض المشروع أو الصندوق. فهناك مثلًا مشروع _ أو صندوق - وقفي لمستشفى أو لمسجد، أو لناد للشباب. وقد يتخصص المشروع - أو الصندوق - الواحد ببناء المستشفيات، أو المساجد، أو النوادي في عموم القطر، فلا يكون لبناء واحد فقط بحيث يكون المشروع - أو الصندوق - دائمًا مستمرًا، يقوم بتغذية الغرض الوقفي الذي حدد له، ويتغذى هو نفسه بالنقود التي يوقفها المحسنون للمشروع أو الصندوق.

2 -وقف الإيراد النقدي

ومن صور وقف النقود أيضًا وقف إيراد نقدي، دون وقف أصله، أي دون وقف العين التي ينشأ عنها الإيراد. ويمكن أن يكون لهذا النوع من وقف النقود في التطبيق صور عديدة لا حصر لها، ولكنها تدور حول محورين هما: وقف إيراد عين معمرة لفترة زمنية محددة. ومثاله أن يوقف شخص الإيراد، الإجمالي أو الصافي، الذي ينشأ عن استثمار عقار للأيام العشرة الأولى من المحرم من كل عام. أو أن يوقف محسن يملك موقفًا للسيارات، إيراد موقفه مما يدفعه أصحاب السيارات التي تقف فيه كل يوم جمعة، أو أن يوقف صاحب حديقة حيوانات إيرادها لمدة شهر معين في كل سنة.

ويمكن لوقف الإيراد هذا ن يكون موقوتا أو مؤبدا. ولا شك أن معنى الوقف لا يتحقق إلا بالتكرار، لأنه هو المعنى الذي تتضمنه"الصدقة الجارية"فلو تبرع شخص بإيراد متجره لشهر المحرم 1430هـ، وكان يحسب إيراداته شهريا فليس هذا وقفا، بل هو صدقة عادية، تنقضي بدفعها عند نهاية الشهر. أما لو حبَّس إيراد شهر المحرم من كل عام لمدة عشر سنوات أو على سبيل التأبيد، فإنه ينشئ بذلك وقفا إيراديًا نقديا. ومثل ذلك لو وقف إيراد يوم واحد كل سنة لأي عدد من السنوات فهو وقف، أما لو تصدق بإيراد يوم واحد دون تكرار فهو صدقة عادية ليس فيها معنى الجريان. ومثل ذلك وقف حصة محسوبة بنسبة مئوية، كل سنة، من الإيرادات النقدية، الإجمالية أو الصافية، لهيئة أو مؤسسة استثمارية، لغرض من أغراض البر، غير الزكاة المفروضة التي لا بد أن توزع في مصارفها الشرعية.

وقد تتوجه إرادة الواقف لجعل الوقف في وجه من وجوه البر العامة، أو أن يكون لصالح أشخاص بأعيانهم وذريتاتهم، أو بأوصافهم حتى لا يكون الوقف منقطعا بانقراض الموقوف عليه.

والحقيقة أن حساب احتياطي مخاطر الاستثمار في البنوك الإسلامية هو قريب جدًا من هذا النوع من الوقف. وهو لا يختلف عن الوقف الذي نتحدث عنه إذا اعتبرنا الوقف موقتا بانتهاء وجود البنك نفسه، وذلك لأن النصوص المألوفة في عقد تأسيس البنك، في أمر هذا الحساب، أن يُجعل رصيده المتبقي في مثل مصارف الزكاة عند انعدام البنك الإسلامي .. أما إذا أردنا أن يكون الوقف فيه مؤبدًا فينبغي أن نضيف إليه موقوفًا عليه لا ينقطع، كأن ينص أنه عند انعدام البنك يبقى أصل المال المتراكم في هذا الحساب ليستثمر في عقار أو مضاربة أو غير ذلك وتكون غلاته أو أرباحه في الفقراء والمساكين مثلًا.

ولا ينبغي أن يغيب عن البال أن إرادة الواقف قد تتوجه إلى معنى الوقف، لما يتضمنه من صدقة جارية، عمر المال أو المشروع الاستثماري الذي يخصَّص جزء من إيراده وقفًا. وهو قد يرغب فعلًا أن يلزم نفسه وورثته بذلك، دون أن يخرج العين نفسها أو المشروع الاستثماري نفسه من ملكه ومن كونه ميراثا يورث بعد موته.

وقد ترد في هذه الحالة مسألة الوصية بالإيراد أو الغلة أو الربح وقفًا. وهي مسألة جديرة بالنظر الفقهي. إذ لا خلاف بحق المتبرع بتجاوز الثلث فيما ينشأ من إيرادات دورية كل عام خلال حياته لأن ذلك تصرف من مالك في ملكه، ليس للورثة فيه أي حق. فهل له مثل ذلك بعد موته طالما أن نيته وصيغة الوقف نفسها توجهتا إلى أن ذلك وقف وليس وصية؟ أم أنه عند الموت يصبح من نوع الوصية بالمنفعة، فيتحدد بما لا يتجاوز الثلث كما قال المالكية والشافعية؟ وإن كان لا بد من حساب الثلث فكيف يكون تقدير هذه الإيرادات المستقبلية؟ أيكون ذلك بتقويمها على طريقة حساب القيمة الحالية بتاريخ الوفاة حتى تمكن مقارنتها مع باقي التركة؟ ولا بأس أن تكون الفتوى في ذلك على حدود الثلث عند موت الواقف، إذا تبين أن ذلك هو الأولى والأرجح فقهًا وشرعًا، فالثلث كثير كما قال المصطفى عليه صلوات الله تعالى وسلامه وبركاته. ولهذا النوع من الوقف أيضًا مزايا قانونية وضريبية لا تخفى.

3 -وقف احتياطي شركات المساهمة

ومن الصور التي تنزل منزلة الوقف النقدي كما ذكرنا سابقًا وقف الاحتياطي في شركات المساهمة. وقد ذكرنا فيما سبق أن شركات المساهمة هي نموذج تنظيمي جديد نشأ في الغرب وتطور خلال القرن الغريغوري التاسع عشر بشكل خاص، وأن هذا النموذج في تنظيم النشاط الاقتصادي يقوم على أساس مفهوم المؤسسة التي تتمتع من جملة ما تتمتع به بمزايا الشخصية الاعتبارية، والمسئولية المحدودة، وإمكان تجاوز عمر المؤسسة لأعمار مؤسسيها و/أو مالكيها بما في ذلك تأبيدها.

وقد رأينا أن هذه المزايا مهمة وأساسية في نجاح هذه الشركات. وبسبب هذه المزايا القانونية ولكثرة ارتباط شركات المساهمة - في العادة - بالمصالح العامة وبالكثير من الناس، سواء ما تعلق بتكوين رأس مالها وتجميعه من عدد كبير من الأفراد، أو ضخامة مشاريعها وعلاقاتها الوثيقة بالمصالح الوطنية العامة، أو كثرة عدد عمالها، فإن القوانين تتدخل كثيرًا في تنظيم هذه الشركات وكثير من أعمالها. فمفهوم المؤسسة نفسه هو شيء اخترعه أو أوجده القانون.

ومن أشكال تدخل القوانين في شركات المساهمة إلزامها بتكوين احتياطي عام عن طريق حجز جزء من أرباحها سنويًا لتغذية هذا الاحتياطي الإلزامي أو القانوني. والهدف الأول من هذا الإلزام هو تقوية المركز المالي لشركة المساهمة، وبخاصة تجاه دائنيها، لتحسين قدرتها على الوفاء بالتزاماتها أخذا بعين الاعتبار لمسئوليتها المحدودة.

وإننا لنرى بأن موضوع المسئولية المحدودة موضوع مهم. وهو أمر لم يرد في الفقه الإسلامي التراثي. وقد أقره مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورته السابعة المنعقدة بجدة 7 - 12/ 11/1412هـ (9 - 14 مايو 1992) بقوله"لا مانع شرعًا من إنشاء شركة مساهمة ذات مسئولية محدودة برأسمالها، لأن ذلك معلوم للمتعاملين مع الشركة، وبحصول العلم ينتفي الغرر عمن يتعامل مع الشركة". (القرار رقم 65/ 1/7) . وإن إقرار مبدأ المسئولية المحدودة لا يتعارض أبدًا مع مبدأ تكوين احتياطي للقيام بأعباء هذه المسئولية، وبخاصة أن طبيعة مفهوم المؤسسة Corporation يشبه مفهوم الوقف، من حيث أن المؤسسة هي أموال (ثابتة ومتداولة) مرصودة لأغراض معينة (إنتاج سلعة ما مثلًا كالبترول) لا تتأثر بحياة مالكيها وتتمتع بشخصية قانونية وذمة مالية مستقلة وخاصة بها.

لذلك نرى أنه بما أن المؤسسة Corporation هي نفسها من صنع القانون، الذي منحها مزايا عديدة حتى إن دائرة المعارف الأمريكية لتقول بأن"المؤسسة تستمد وجودها وقوتها ومميزاتها من شيء واحد فقط هو ما تمنحه لها السلطة السيادية للحكومة" [1] ، فإن من حق المجتمع عليها - في مقابل ذلك - أن تحتجز المؤسسة جزءًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت