فهرس الكتاب
المخطوطة عن نسخة المؤلَّف التي ذكر فيها التحبيس) قد انصرف إلى نسخة معينة بين دفتين وليس إلى الحق أو الملك المعنوي نفسه، لأن نظرية الحقوق المعنوية المتقوَّمة لم تكن معروفة في ذلك الوقت. فلم يُعرف أبدًا أن أخذ مؤلفٌ عوضًا عن السماح باستنساخ نسخة من كتابه. كما أن كثيرًا من المؤلفين - ممن لم يصرح بمعنى الوقف - قد لمح إليه واتجهت نيته إليه؛ وذلك يتبين من الفتاوى الكثيرة بعدم جواز أخذ ثمن للفتوى، أو ثمن للعلم مما هو معروف ومنتشر في كتب الفقه.
ولا شك أن حركة نشر التراث التي بدأت منذ حوالي قرن من الزمان، وما تزال في نهضتها، حركة طيبة ومباركة، وأنها أعادت صلة الأمة بتراثها وماضيها. ولا شك أن الناشرين والمحققين قد قاموا بجهود مشكورة ومفيدة في هذا السبيل. وهي جهود متقومة مشكورة يستحقون عليها العوض، أجرًا أو ربحًا بحسب الحال. ولكنه في جميع الأحوال فإن حقوق المؤلفين الأصليين، قلت أو كثرت، من كل كمية تطبع من الكتاب المحقق ينبغي أن توجه إلى حيث انصرفت إراداتهم الوقفية، الصريحة أحيانا أو الضمنية أحيانًا أخرى.
والأغراض الوقفية التي قصدها المؤلفون هي أن تكون كتبهم ميسرة للعلماء والمتعلمين. وينبغي أن يقدر ذلك دون أي افتئات على حق المحقق والناشر مقابل ما قاما به من جهد، ودون تفريط بحق الأمة وبخاصة المكتبات العامة والجامعات والمدارس والمساجد وغيرها من المراكز العلمية والعلماء والمتعلمين مما يدخل بعمومه في قصد الواقف التراثي فكل بقيمته، ولكل بحسب نصيبه من مبيعات الكتاب التراثي المنشور. ونرى هنا أيضًا أنه ينبغي لوزارات الأوقاف في البلاد الإسلامية أن تحافظ على أوقاف الأمة في هذه الحقوق المعنوية وتصونها. بل قد تكون هذه أولى بالصيانة والمحافظة عليها من حقوق استغلال الأملاك المعنوية الموقوفة التي أوقفها من لا يزالون على قيد الحياة مما لاحظنا في الفقرة السابقة. ومن الواضح في هذه الأوقاف أنها على سبيل التأبيد كما تدل صيغة الوقف بنصها في كثير من الأحيان، أو بمضمونها ومحتواها مع معرفة رأي المؤلف التراثي بمسألة تيسير كتب العلم للمتعلم والعالم.
3 -وقف حق الطريق
ومن الحقوق التي ينبغي أن تكون قابلة للوقف حق الطريق. ومثله حق عبور جسر مثلًا وهو حق ارتفاق. فمن المعروف أن حق الطريق حق مالي قابل للتقويم والمعاوضة. ولقد ورد في الفقه التراثي وقف حق الطريق للمسجد والمقبرة. ويمكن أن يتخذ وقف حق الطريق في عصرنا إحدى صورتين.
الصورة الأولى أن ينشئ مالك عقار حق طريق في عقاره، وهو حق جديد لم يكن موجودًا من قبل. كأن يوجد في منطقته مسجد له طريقه الخاص به. ولكن صاحب أرض ملاصقة للمسجد يرغب أن ينشئ حق ارتفاق في أرضه يكون طريقًا أقرب لهذا المسجد، ولا يريد أن يوقف عين أرض الطريق، ويرغب أن يلزم نفسه وورثته بهذا الحق بحيث لا يستطيع أحد أن يلغيه بعد موته مثلًا. وحق الطريق هذا لا يمنع المالك من التصرف بملكه كل أشكال التصرفات مع المحافظة على الحق لأصحابه (وهم العابرون إلى المسجد) . فيمكن مثلًا أن يقيم بناء عظيما ويجعل ضمنه ممرًا إلى المسجد.
والصورة الثانية أن يكون حق الطريق مملوكا لشخص غير مالك الأرض فيرغب في ثواب وقفه في وجه من وجوه البر، نحو عبور أطفال إلى مدرسة يختصر فيه عليهم طريقًا بعيدًا.
وفي كلتا الصورتين يمكن أن يكون الوقف مؤبدًا أو موقتًا. ويكون التوقيت إما بزمن محدد، سنة أو عشر سنوات، أو معلقًا على واقعة آيلة للحدوث. كأن يكون وقف حق الطريق للمسجد إلى أن تفتح البلدية الشوارع المحيطة، فيُستغنى عن ذلك المعبر.