ثالثا- وقف الحقوق والمنافع
وهي أوقاف يكون الموقوف فيها حقًا متقومًا أو منفعة مملوكة لغير مالك العين، كما في الإجارة، والوصية بالمنفعة منفصلة عن العين. وهناك صور متعددة لوقف الحقوق والمنافع نذكر فيما يلي أهمها.
1 -وقف الحقوق المعنوية
ولعل من أهم الصور الجديدة للحقوق التي يمكن وقفها هو حق استغلال الأملاك المعنوية. ومن أهم هذه الأملاك المعنوية حق التأليف، [1] وحق الابتكار، وحق الاسم التجاري. ويكون تحبيس حق استغلال الملك المعنوي بتصريح المؤلف أو المبتكر بذلك، كما نجده في مقدمات كثير من الكتب. حيث يصرح المؤلف أنه"يترك حق نشر كتابه أو أي جزء منه صدقه لله تعالى". فإن ذلك النص يعني أن الواقف يبيح لأي شخص أن ينتفع من ذلك الكتاب - ولو بنشره وتوزيعه - شريطة أن لا يحصل من ذلك على أي ربح، أو أن أي ربح يحصِّله، ينبغي أن يتصدق به نيابة عن الواقف. لأن هذا هو معنى الصدقة لله تعالى. ويمكن كذلك أن تُحمل عبارة الواقف على أنه إنما يحبس حقه كمؤلِّف، فتنصرف الصدقة لله تعالى إلى إيراد هذا الحق، وهو ما يتحدد في السوق من ثمن لهذا الحق لطبعة واحدة، أو أكثر، أو لجميع الطبعات، حسبما هو مألوف في بلد المؤلف أو الناشر أو كليهما. وبهذا التفسير لشرط الواقف يمكن للناشر الاسترباح بنشر الكتاب شريطة أن يتصدق بغلة حق المؤلف في وجوه الخير العامة أو بما حدده المؤلف من وجوه خير، إن كان قد حدد شيئا منها بالوصف.
أما إذا نص الواقف على أنه"يسمح لأي ناشر أن ينشر كتابه وأن يتكسب بعمله هذا وأن المؤلف يسامح الناشر بأية حقوق تستحق له"، وهو نص غير مألوف في العادة، فإن مثل هذا الشرط فقط هو الذي يبيح حق التكسب لأي شخص من نشر هذا الكتاب.
كما أننا نرى أن جميع الكتب التي ألفت قبل شيوع أشكال جديدة من الاستغلال للأملاك المعنوية، لم تكن شائعة عند ظهور هذه الكتب، نحو التحويل إلى فيلم سينمائي أو ديسكات كمبيوتر أو أي شكل آخر من أشكال الاستغلال، وأشار مؤلفوها إلى تحبيس حق النشر، دون ذكر أشكال الاستغلال الأخرى، فإن الوقف يطول أشكال الاستغلال الأخرى أيضا، ولا يقتصر على النشر من دونها، لأن هذه الأشكال داخلة في معنى التحبيس وإن لم تكن معلومة الإمكان عند نشوء الوقف.
ونرى أنه ينبغي على إدارات الأوقاف في البلدان الإسلامية التي نشأت فيها هذه الأوقاف المعنوية أن تعنى برصدها، وتسجيلها، وحمايتها ممن قد يعتدون عليها، وتحصيل حقوق الأمة (أو حقوق الموقوف عليهم) من الناشرين الذين ينشرونها ويحمِّلون المستهلك أكثر من كلفتها، إلا إذا توجهت إرادة الواقف إلى السماح بذلك، وهو ما يندر في العادة كما ذكرنا.
2 -وقف الحقوق المعنوية التراثية
ومثل حق استغلال الأملاك المعنوية المعاصرة، حق استغلال الأملاك المعنوية التراثية. وهذا أمر يحتاج إلى شيء من التفصيل. فكتّاب التراث الفقهي وغيرِه، كثير منهم قد صرح في مقدمة مؤلَّفه أنه يضع ذلك بين يدي طلاب العلم ابتغاء وجه الله، بل منهم من صرح بمعنى التحبيس، وإن كان الأغلب أن ذهنه (أو ذهن مالك النسخة
(1) إن حق التأليف نفسه، وحق الابتكار مثله، ليس حقًا ماليًا، لأنه غير قابل للتحويل من شخص إلى آخر، لحرمة ذلك لأنه كذب، فهو بالتالي غير متقوم، لأن التقويم لا يكون إلا بين أشخاص متعددين، أي هو ما يقصد إلى التعرف على ما يسمى بالقيمة التبادلية Exchange Value. أما حق استغلال المؤلَّف أو المبتكَر فهو حق آخر يملكه صاحب التأليف أو صاحب الابتكار. وهو حق قابل للتقويم لأنه قابل للتداول.