الصفحة 6 من 27

ب-4 والعرايا، ومفردها عريّة هي النخلة تكون في أرض شخص يهب ثمرتها لآخر. [1] وقد تكون لسنة أو سنوات أو أكثر من ذلك، وقد تكون عمرَ الموهوب له، فتكون عمرى. فيبيع المعرِّي (أو المعرَّى على الخلاف في من له الرخصة) كيلا معلوما من التمر الجاف بخرص النخلة من الرطب. فهي رخصة (من ربا الفضل والنساء على قول خلاف الأقوال) لما فيها من عون لمحتاج إلى الرطب في موسمه. وقد اتفقت المذاهب على أن فيها إرخاص [2] . فقالت الشافعية والحنابلة إنها استثناء من بيع التمر رُطَبا بجاف حالَّيْن. وقال مالك هي أيضًا ترخيص من ربا الفضل ومن ربا النسيئة معا فهو يقول بجواز بيع العرية حالًا وآجلًا. وقال أبو حنيفة إنها استثناء من الرجوع في الهبة بعوض. [3]

ب-5 وفي الوصية، يقول الشافعية بصحتها في الأعيان والمنافع. [4] مثال المنافع: الوصية بخدمة العبد وبسكنى الدار. وتجوز الوصية بالمنفعة مقدرة بمدة محددة، كما تجوز مؤبدة دون تحديد مدة، وتقع في حدود الثلث. [5] والوصية بالمنفعة، صحيحة عند المالكية أيضًا، سواء أكانت مقيدة بمدة أم مؤبدة دون مدة [6] ، فتكون عندئذ في حكم المقيدة بحياة العبد (في منفعة العبد) "على قول ابن القاسم وهو الراجح أو بحياة الموصى له على قول أشهب". [7] وتقع الوصية بالمنفعة عند المالكية في حدود الثلث أيضًا كالشافعية. [8] كما يرى الونشريسي أن للموصى له بسكنى الدار أن يستغلها فيؤجرها إن شاء. [9] والوصية بالمنفعة جائزة أيضًا عند الأحناف وهي تقبل التوقيت. [10]

ب-6 أما في باب فقه الوقف. فقد نص الفقهاء على جواز وقف أنواع من المنقولات. والمنقولات بطبيعتها تؤول إلى الانقضاء والزوال. فقال الشافعية بصحة وقف البناء والحيوان والأثاث والسلاح. منها ما هو على وجه الاستقلال كالسيف والفرس ومنها ما هو تبعا للأرض كالبناء. [11] كما أنهم علقوا وجهًا في جواز وقف النقود على صحة إعارتها للانتفاع بها في الزينة، وعللوا القول بعدم الجواز على الراجح عندهم بعدم إمكان بقاء النقود عند الانتفاع بها، [12] فهو منع معلل يدور مع علته حيث دارت. وكذلك الأمر في وقف المنقول عند الأحناف فإنه يصح تبعًا للأرض. كما يصح فيما ورد في السنة وفقه، كالسلاح والخيل للجهاد. ويصح أيضًا فيما تعامل الناس فيه بالوقف

(1) ابن رشد، ج2، ص 216.

(2) يلاحظ هنا أنه مهما تنوعت تفسيرات المحدثين والفقهاء لوجه الإرخاص في العرية، فإنه بكل تأكيد ليس لضرورة، إذ لا ضرورة غذائية ولا غير غذائية في مبادلة الرطب بالتمر الجاف، ولو كان أمر الضرورة في وصول المعرّى له لنخلته في بستان المعري لألحق ذلك بقواعد الاستئذان التي تحدثت عنها الشريعة. كما لا توجد حاجة (بالمعنى الذي أشار إليه الشاطبي والغزالي) إذ لا توجد مشقة بأكل التمر الجاف ولا بالاستئذان في أوقاته. والذي يبدو لي - والله سبحانه أعلم - أن وجه الإرخاص كان مراعاة لرغبات الناس وعاداتهم الاجتماعية. ففي موسم الرطب، يأكل الناس الرطب، فلماذا لا يستطيع الفقير (المعرّى له) أن يأخذ لأهله الرطب مثل الآخرين؟ أو لماذا تُعقَّد على الناس حياتهم بقواعد الاستئذان (وهي شرعية أيضا) أو تقيد خصوصياتهم بدخول الآخرين عليهم. فلتكن إذن هذه المبادلة، ولو خالفت بعض القواعد المعروفة، لأنها أولا في إطار أعمال البر، ولأنها ثانيا في أمور صغيرة لا يشكل فيها خرق القاعدة تيارا اجتماعيا أو قانونيا ذا أثر (لذلك يرى مالك رحمه الله أن لا ربا في التوافه من المبادلات مثلًا) . فهل ندرك نحن اليوم مثل هذه الحكمة العظيمة في أمورنا ومعاملاتنا؟! ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍

(3) ابن رشد، ص 217 - 218.

(4) تكملة المجموع، ج14، ص 200 - 201. وكذلك ج 15، ص 426.

(5) تكملة المجموع، ج15، ص 426.

(6) الونشر يسي، ج9، ص 256.

(7) حاشية الرهوني، طبعة دار الفكر، بيروت 1978، ج 8، ص 274 - 275.

(8) نفسه، ص 275.

(9) الونشر يسي، ج7، ص 286.

(10) الزرقا، ص 39.

(11) تكملة المجموع، ج 15، ص 320 وما بعدها.

(12) نفسه، ص 330.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت