الصفحة 7 من 27

وتعارفوه، نحو وقف الكتب والمصاحف. [1] وقد ذكر الشيخ الزرقا، رحمه الله، أنواعًا من المنقولات التي جرى التعامل والعرف بوقفها، منها ما هو آيل للانقضاء بطبيعته بسبب البلى والموت، كالفأس والقدوم والقدور والجنائز وثيابها والأكسية للفقراء والسفن والشجر والقمح لاستعماله في إقراض البذر للمزارعين والحيوان والعبد. [2]

كما ذكر الزرقا أيضًا جواز وقف الدراهم والدنانير، وهي مما يتعرض للزوال بالسرقة وعدم قدرة المدين على الدفع في حالة وقفها للإقراض كما أنها معرضة للخسارة ولأنواع خيانة الأمانة Moral Hazards في حالة وقفها لتستثمر بالمضاربة ليكون إيرادها للموقوف عليهم [3] . كما تحدث المالكية عن وقف البقرة للبنها، وأنه لا يجوز تحويل عينها عمن حبست عليه إذا كانت البقرة خرجت من حوز الواقف [4] . وكذلك نجد عندهم حبس الفرس. [5]

كما أن ابن عرفة يعرف الوقف على أنه"إعطاء منفعة شيء مدة وجوده ..." [6] وهذا التعريف يدل على جواز وقف أشياء ذات طبيعة موقوتة.

وقال غير الأحناف بصحة وقف المنقول عمومًا - دون قيد التبعية أو العرف، إذا لم يكن مما لا ينتفع به إلا بالإتلاف كالطعام. فالشافعية والحنابلة أجازوا وقف المنقول باعتبار"أن التأبيد يعتبر في كل عين بما يناسبها، فما لا يكون قابلًا للبقاء فإن معنى التأبيد فيه مقدر بمقدار بقائه". [7] وهم بذلك رجعوا في الحقيقة إلى تعريف ابن عرفه. أما المالكية، فيقولون أصلًا بعدم اشتراط التأبيد ويجيزون توقيت الوقف، سواءٌ أكان التوقيت بسبب عمر الشيء الموقوف، أم بإرادة الواقف نفسه. [8]

والحقيقة أن فقهاء المذاهب جميعًا قد أجمعوا على جواز وقف أشياء منقولة ذات عمر محدود بطبيعتها، كالفرس، والسلاح، والكتب، والمصاحف، وغيرها من المنقولات. لذلك يعلق الشيخ الزرقا على معنى التأبيد فيقول"إن شرط التأبيد يعود في الحقيقة إلى شرائط الجهة الموقوف عليها لأن الدوام وعدمه إنما هما من أحوالها، وليس معنى تأبيد الوقف إلا دوام الموقوف عليه". [9]

ج - مناقشة للآراء الفقهية ونتائج

لا بد لنا بعد هذا التمهيد الفقهي من مناقشة سريعة لهذه الآراء الفقهية وتصنيفها بما يضعها في مواضعها بالموازين القسط، وذلك في ضوء النصوص الأصلية من الكتاب والسنة والواقع الاقتصادي والاجتماعي المعاصر، وبخاصة ما يتعلق بفنون تجميع الأموال (أعيانًا ونقودًا) وأشكال استعمالاتها. نُتبع ذلك بتصنيف نقترحه لأعمال البر ينسجم مع ما أراده الشرع الحنيف وما تدل عليه النصوص الأصلية والفقهية السابقة.

فمن الواضح أن نصوص الكتاب والسنة تحث على الصدقة بعمومها وكل أشكالها وصورها. وقد وردت الصدقة الجارية في السنة كما رأينا. ومن الواضح أيضًا أنه لا قيد على أعمال البر المالية، فيما عدا القيود المعروفة من حيث الملك، والأهلية، والقُربة،

(1) الزرقا، ص 47 - 48.

(2) نفسه، ص 48 - 49.

(3) نفسه، ص 49.

(4) الونشر يسي، ج7، ص 76.

(5) نفسه، ص 104.

(6) الخالد، ج1، ص 67.

(7) الخالد، ج 1، ص 175.

(8) أبو زهرة، محاضرات في الوقف، ص 111.

(9) الزرقا، ص 42.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت