الصفحة 8 من 27

وعدم تعلق حقوق للغير، إلخ. فللمسلم أن يتصدق بالقليل أو الكثير، أو العين أو المنفعة، أوالأصل أو الدر، إلخ. فكل ذلك من الإحسان، و"ما على المحسنين من سبيل". ولقد نص الفقهاء على جواز أعمال من البر، مأخوذة من صور عرفت في مجتمعاتهم، مما عرفوا وألفوا. حتى إنهم ليؤكدون أنه في أعمال البر يتساهل الشارع الحكيم، فيترخص من كثير من القيود التي لا يترخص بها في المعاوضات. [1] كل ذلك يدل على سعة آفاق الفقه الإسلامي وقدرته على استيعاب أشكال عديدة من أعمال البر.

ويمكن - بناء على ما سبق - أن تصنف أعمال البر المالية في الشريعة في نوعين عريضين هما: الصدقة بالمستهلكات والصدقة الجارية. وهي صدقة بأشياء معمرة. فالصدقة بالمستهلكات معروفة، وهي ما كان المتصدَّق به مواد استهلاكية، يستعملها من يأخذها فتنقضي أو تتلف باستعمالها، وهي معروفة وكثيرة الذكر في النصوص الأصلية والفقهية.

أما الصدقة الجارية فتشمل أعمال بر مالية ذات أجل يطول أو يقصر. منها ما هو مؤبد نحو وقف الأرض على سبيل التأبيد. ومنها ما تجري فيه الصدقة ما بقي المال المتصدق به. فالبر في القرض، ما دام المال المقرض في ذمة المقترض، والبر في النظِرة حتى وفاء الدين، والبر في وقف المنقولات حياتها أو عمرها الاستعمالي. والبر في المنيحة ما دامت يستفيد منها من منحت له، وكذا في الإعارة، والبر في هبة المنقولات المعمرة ما عاشت، إلخ.

وفي الوقف قال جمهورالفقهاء بتأبيده، رغم تفسيرهم غير التأبيدي لوقف المنقول. وهو نوع من البر عرفه الناس وألفوه وأكثروا منه. ولا نريد أن نناقش جواز توقيت الوقف بإرادة الواقف فالزرقا يعلق عليه بقوله"وأنت ترى أن اجتهاد المالكية (بالقول بالتوقيت) أقوى دليلًا، وأرجح مقصودًا وأكثر تسهيلًا في مقاصد الخير." [2] ولكننا نريد أن نعتذر للجمهور أنه كان يصعب في الماضي تصور التوقيت في مصالح كثيرة."

فبعد أن وازن الإمام أبو زهرة بين أدلة من يقول باشتراط التأبيد وأدلة من يرون جواز التوقيت في الوقف عقب بقوله"فرأيتَ أن الأكثرين عددًا قد قالوا إن التأبيد جزء من معنى الوقف ومفهومه. وأن القلة من الفقهاء رأت أن التأبيد ليس جزءًا من معنى الوقف، فيجوز مؤقتًا ومؤبدًا معًا. وقد علمتَ أن القلة تستمد رأيها من معاني الشريعة ومغزاها ومرماها. وهي بهذا قد استعاضت عن قلة عددها بقوة دليلها. وكان من هذه القلة إمام جليل هو من أئمة الرأي وعلماء السنة: الإمام مالك. فجواز توقيت الوقف - مع قوة دليله- قد زاده قوة فوق قوته أنه قول من لا يحيد عن السنة قيد أنملة ومن يدرك وجوه الرأي السليم". [3]

(1) فمالك مثلا يقول بأن القياس - بل نص حديث ربا البيع - ينبغي أن يكون على حرمة القرض لأنه حالّ بآجل في المثليات، وأنه إنما أبيح تساهلًا في التبرعات، لما فيه من الرفق والتوسعة على الناس، إذ القرض من أعمال البر. وقد أجمع المسلمون على جواز القرض كما أكدت السنة المطهرة على أجره الكبير. والعرايا إنما أرخصت تيسيرًا على الناس، لما فيها من البر، فهي تتضمن - على اختلاف بين الفقهاء في تفسير موطن الرخصة فيها كما رأينا - هبة تقوم على معاني البر بالمال، فأُرخص فيها ما لم يرخص في البيوع. كما قالوا بجواز استيفاء أعيان في المنيحة والعارية، نحو لبن الشاة، رغم أن قياسهما على الإجارة لا يجعل ذلك جائزًا، لأن الإجارة لا تصح لاستيفاء أعيان. [انظر أبو زهرة، الإمام مالك ص 297 وابن رشد ج 2، ص 216 - 219]

(2) الزرقا، ص 38.

(3) أبو زهرة، محاضرات في الوقف، ص 77.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت