المبحث الثاني
أولا- عوامل أدت إلى ظهور صور جديدة من الوقف
مع تطور الحياة البشرية والتغيرات الكثيرة التي حصلت في الممارسات والنشاطات المالية والاقتصادية للمجتمعات الإسلامية وغيرالإسلامية، تميزت حاجات ومصالح جديدة في ميدان أعمال البر استدعت ظهور أشكال جديدة من البر، لم تكن معروفة ولا مألوفة من قبل، كما أدت أيضا إلى ظهور أهداف جديدة تفصيلية للأوقاف لم تكن ظاهرة فيما مضى من العصور.
وأهم هذه التطورات ذات العلاقة بغرض هذا البحث هو ما حصل في ثلاثة جوانب هي: أولا- ابتكار مفهوم المؤسسة Corporation وما رافق ذلك من ظهور تجمعات سكانية كبرى أدت إلى اتساع وتضخم حجم المنشأة أو المؤسسة، وما جاء من ابتكار تكنولوجيات مناسبة للإنتاج الكبير والاتصالات الواسعة ثم الفصل بين الإدارة والملكية؛ وثانيا- شيوع الضرائب المتنوعة على أنواع الأموال المختلفة من ثروات ودخول بشكل شامل ومنتظم، ومع الضرائب ظهرت الإعفاءات والاستثناءات؛ وثالثا وأخيرا - ابتكار أساليب جديدة في الاستثمار يمكن للأموال الوقفية الاستفادة منها. وسنذكر بسرعة تأثير كل من هذه التغيرات.
1 -نشوء المؤسسة Corporation [1]
نشأت المؤسسة وتطورت في البلدان الغربية، وبخاصة بريطانيا والولايات المتحدة، ثم ألمانيا وفرنسا. وكان ذلك على مسار عدة قرون. فمنذ أواخر القرن السادس عشر بدأ يظهر نوع من الشركات، سمي شركات الأسهم المتحدة Joint Stock Companies. وهي نوع من الشركة يتجمع رأس مالها من عدد يتجاوز الآحاد ويتوزع بينهم على طريقة الحصص. ثم بدأت فكرة الحاجة إلى توسيع رأس المال ومساهمة ممولين لا يعملون في الشركة. وأخيرا اتخذت شكلها الحالي خلال الثلثين الأولين من القرن التاسع عشر.
وأهم ما تتميز به المؤسسة خصائص ستة هي على وجه كبير في الأهمية. وهذه الخصائص هي: 1) الشخصية القانونية المستقلة وما لحق بها من ذمة مالية، 2) المسؤولية المحدودة، 3) عدم محدودية مدة الشركة، 4) تداول أسهمها، 5) كثرة عدد المساهمين في العادة، 6) الفصل بين الإدارة والملكية في العادة أيضا. وقد نشأت مؤسسات مغلقة تنعدم فيها الخصائص الثلاثة الأخيرة.
ولعل أهم وصف للمؤسسة هو وجود مجموعة أموال تدار لتحقيق هدف معين. وهي بهذا تشبه الوقف الذي يُستثمر ماله من أجل تحقيق فائض يوزع على الموقوف عليهم. ويلاحظ أن هناك أوجه شبه أخرى بين المؤسسة والوقف من حيث وجود ذمة مالية لكل منهما مستقلة عن ذمة المدير وعدم محدودية عمر كل منهما والفصل بين الإدارة والملكية.
ولقد توسع تطبيق مفهوم المؤسسة إلى غير القطاع الإنتاجي أو الاقتصادي البحت، حتى صار صنوا للشخصية المعنوية ونموذجا لفصل الإدارة عن الملكية. فحيثما يحتاج الناس إلى وجود هذه الشخصية المعنوية، جعلوا حاملها مؤسسة. فمجالس التعليم، والبلديات والجمعيات الخيرية، والنقابات، والجامعات، ومراكز البحث العلمي، والأوقاف لوجوه البر العامة Foundations، كل ذلك وغيره كثير صار مؤسسات، لا بد أن يحمل في نهاية اسمه عبارة Incorporated بشكلها المختصر في الغالب Inc ..
(1) يراجع في موضوع المؤسسة عنوان Corporation في كل من New Encyclopedia Britanica ... طبعة 1995، الجزء الثالث، و Encyclopedia Americana طبعة 1994، الجزء الثامن.