الحاضر بعد أن اشتراها منه بثمن آجل". أو بعبارة أخرى (تحمل نفس المعنى) التورق المصرفى هو"قيام البنك بعملية بيع بالوكالة في سوق حاضر لسلعة سبق أن باعها للعميل بثمن آجل تحقيقًا لطلب هذا العميل على النقود.
والورِق في اللغة (بكسر الراء والاسكان) هي الدراهم من الفضة، والتورق طلب الورق أي الدراهم. وحيث كانت دراهم الفضة نقودًا رائجة فيما مضى من قرون فإن المعنى المعاصر للتورق هو"طلب النقود" (النقد الرائج، أيًا كان نوع العملة) . وإذا استخدمنا المصطلحات الاقتصادية الحديثة يمكن القول أن"التورق هو بيع مخصوص يقصد به"طلب السيولة"."
ووفقًا لهذا المعنى العام للتورق قد يكون لدي الشخص سلعة أو أصل من الأصول ربما اقتناه لنفسه أو اشتراه لغرض التجارة فيعمل على بيع مالديه لكى يحصل على نقود، لأن هذه اكثر سيولة. فالتورق بيع ولكن لابد من تمييزه عن البيع بمعناه المعروف من الناحيتين الاقتصادية البحتة والشرعية. فمن الناحية الاقتصادية علينا أن نميز التورق على أنه"بيع مخصوص لتحقيق سيولة نقدية مقصودة". وقد يكون من وراء ذلك"اضطرار"بسبب ضرورة سداد دين حل أجله ولايمكن تأجيله وقد يكون لدواعى السفر أو الهجرة أو للإنفاق على علاج أو زواج أو غير ذلك. وقد يكون وراء تعجُل الحصول على النقود بطريق التورق خطة اعدها المتورق لاستخدام السيولة التى يحصل عليها فيما هو أكثر نفعًا له، ومن ثم فإن من المحتمل أن يقوم المتورق ببيع سلعة أو أصل من الأصول يملكه، سواء كان معدًا للتجارة أو كان للقنية، وذلك لكى يحصل على نقود يستثمرها أو يستخدمها في صفقة يتوقع منها ربحًا آجلًا أو عاجلًا. وهكذا فإن لفظة التورق تجعل"بيع التورق"بيعًا من نوع خاص يختلف عن البيع بمعناه العام المعروف الذى يتأنى فيه البائع حتى يتخير أفضل سعر لسلعته أوقد يرضى فيه ببيع سلعته بالأجل لإن ذلك أفضل له.
وفى المصادر الفقهية استخدم مصطلح"التورق"ليعنى طلب السيولة النقدية بطريق شراء وبيع لسلعة، فالمتورق لايملك شيئًا يبيعه حتى يحصل على نقود يريدها فيشترى بالنسيئة ويبيعها في السوق فيتحقق له مايريد. فلا بأس أن يشترى سلعة بمائة دولار مثلًا ليبيعها بخمسين لأنه في حاجة عاجلة لهذه الخمسين. وفى الفروع لابن مفلح - (ج 6 / ص 467) قال في التَّوَرُّقُ"وَلَوْ احْتَاجَ إلَى نَقْدٍ فَاشْتَرَى مَا يُسَاوِي مِائَةً بِمِائَتَيْنِ فَلابَاسَ"ثم قال"يُكْرَهُ، وَحَرَّمَهُ شَيْخُنَا".
وهناك تداخل واضح بين مفهوم كل من"التورق"و"العينة"فى معاجم اللغة والمصادر الفقهية. فى"كشاف القناع عن متن الإقناع - (ج 9 / ص 19) :" (الْعِينَةِ) سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ مُشْتَرِيَ السِّلْعَةِ إلَى أَجَلٍ يَاخُذُ بَدَلَهَا عَيْنًا أَيْ نَقْدًا حَاضِرًا. وفى المزهر - (ج 1 / ص 116) العَيْنُ: اسمٌ من أسماء الذهب، ويقال للفضة الوَرِق، والعَيْن: النَّقد". إذًا فالعينة لاتختلف عن التورق في أنها تُقصد لتحقيق السيولة النقدية."
وكما هو الحال في التورق، فإن تعريف العينة في مصادر الفقه أو اللغة لايجعلها أيضًا بالضرورة محرمة. فالعينة (بكسر العين المهملة) هي السلف، ويقال: باعه بعينة: أي نسيئة، وبيع النسيئة جائز بلا كراهية إذا تم بشروطه الشرعية. وفى الشرح الكبير لابن قدامة - (ج 4 / ص 46) "البيع بنسيئة مباح اتفاقا ولا يُكره الا أن لا يكون له تجارة غيره". وجاء في الفروع لابن مفلح - (ج 6 / ص 467) "وَكَرِهَ أَحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنْ لَا يَبِيعَ الرَّجُلُ إلاَّ نَسِيئَةً، مَعَ جَوَازِهِ".