الصفحة 3 من 14

وكذلك مثل التورق هنالك من أجاز بيع العينة من الفقهاء بشروط على أنها بيع بالأجل لايتبعه شراء لنفس السلعة ممن باعها بينما هو الدائن للمتعين الذى أراد النقود. أما غير ذلك فالعينة حرام. وتأكيدًا لهذا المعنى نقتطف من"المصباح المنير في غريب الشرح الكبير" (ج 6 / ص 467) ، مانصه:"الْعِينَةُ بِالْكَسْرِ وَفَسَّرَهَا الْفُقَهَاءُ بِأَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ مَتَاعَهُ إلَى أَجَلٍ ثُمَّ يَشْتَرِيَهُ فِي الْمَجْلِسِ بِثَمَنٍ حَالٍّ لِيَسْلَمَ بِهِ مِنْ الرِّبَا وَقِيلَ لِهَذَا الْبَيْعِ عِينَةٌ لِأَنَّ مُشْتَرِيَ السِّلْعَةِ إلَى أَجَلٍ يَاخُذُ بَدَلَهَا عَيْنًا أَيْ نَقْدًا حَاضِرًا وَذَلِكَ حَرَامٌ إذَا اشْتَرَطَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ أَنْ يَشْتَرِيَهَا مِنْهُ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا شَرْطٌ فَأَجَازَهَا الشَّافِعِيُّ لِوُقُوعِ الْعَقْدِ سَالِمًا مِنْ الْمُفْسِدَاتِ وَمَنَعَهَا بَعْضُ الْمُتَقَدِّمِينَ وَكَانَ يَقُولُ هِيَ أُخْتٌ لَلرِّبَا فَلَوْ بَاعَهَا الْمُشْتَرِي مِنْ غَيْرِ بَائِعِهَا فِي الْمَجْلِس فَهِيَ عِينَةٌ أَيْضًا لَكِنَّهَا جَائِزَةٌ بِاتِّفَاقِ".

وفى مايؤكد التداخل في المعانى بين العينة والتورق ماجاء في الفتاوى الكبرى- (ج 9/ ص 35) :"قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: الْعِينَةُ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ السَّلَفُ، وَالسَّلَفُ يَعُمُّ تَعْجِيلَ الثَّمَنِ وَتَعْجِيلَ الْمُثَمَّنِ، وَهُوَ الْغَالِبُ هُنَا. يُقَالُ: اعْتَانَ الرَّجُلُ وَتَعَيَّنَ إذَا اشْتَرَى الشَّيْءَ بِنَسِيئَةٍ، كَأَنَّهَا مَاخُوذَةٌ مِنْ الْعَيْنِ وَهُوَ الْمُعَجَّلُ، وَصِيغَتْ عَلَى فِعْلِهِ، لِأَنَّهَا نَوْعٌ مِنْ ذَلِكَ. وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودُ بَذْلَ الْعَيْنِ الْمُعَجَّلَةِ لِلرِّبْحِ، وَأَخْذَهَا لِلْحَاجَةِ."

كَمَا قَالُوا فِي نَحْوِ ذَلِكَ: التَّوَرُّقُ إذَا كَانَ الْمَقْصُودُ الْوَرِقَ. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْجُوزَجَانِيُّ: أَنَا أَظُنُّ أَنَّ الْعِينَةَ إنَّمَا اُشْتُقَّتْ مِنْ حَاجَةِ الرَّجُلِ إلَى الْعَيْنِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ فَيَشْتَرِي السِّلْعَةَ وَيَبِيعُهَا بِالْعَيْنِ الَّذِي احْتَاجَ إلَيْهِ وَلَيْسَتْ بِهِ إلَى السِّلْعَةِ حَاجَةٌ وَتُطْلَقُ الْعِينَةُ عَلَى نَفْسِ السِّلْعَةِ الْمُعْتَانَةِ.

إن هذا التداخل في المعانى بين التورق والعينة بسبب رغبة الشخص في كل منهما الحصول على السيولة النقدية، واضطراره في كل منهما الى بيعتين احداهما بالنسيئة ومن ثم ترتب المديونية على ذلك، هو ما يجعل البحث في حقيقة التورق ضروريًا. ويؤكد هذه الضرورة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ِقَوْلِهِ"إذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ وَتَبِعْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ ذَلَلْتُمْ وَظَهَرَ عَلَيْكُمْ عَدُوُّكُمْ". وهذا حديث خطير يدين بيع العينة فعلينا أن نضعه نصب أعيننا ونحن نبحث"التورق"المصرفى لنرى هل يحمل معنى العينة التى ذكرها الحديث؟؟

وفى فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء - (ج 15 / ص 233) جاء في مسألة التورق هي"أن يشتري سلعة بثمن مؤجل؛ ليبيعها في السوق على غير الدائن، وينتفع بثمنها، وإذا حل الأجل سدد لصاحبها ثمنها الذي اشتراها به مؤجلًا، والبيع بالتقسيط جائز، ولا يلتفت إلى القول بعدم جوازه؛ لشذوذه، وعدم الدليل عليه، أما مسألة التورق فمحل خلاف، والصحيح جوازها".وممن وقع على الفتوى عبد العزيز آل الشيخ وعبد العزيز بن عبد الله بن باز وآخرون. ولاينبغى أن تؤخذ هذه الفتوي على أنها تجيز التورق المصرفى الذى تمارسه بعض البنوك في عصرنا تحت مظلة الاسلام. صحيح أن الفتوى تضمنت عبارة"أن يشتري سلعة بثمن مؤجل؛ ليبيعها في السوق على غير الدائن"، وهذا فيصل هام في الحكم على شرعية التورق من عدمه، ولكن لهذا التورق المصرفى مواصفات أخرى يجب أن ينتبه اليها وتؤخذ في الحسبان.

إن السؤال الخطير التى يفرض نفسه علينا حقًا هو لماذا الآن، في عصر جديد شهد مولد ونمو مصرفية اسلامية، قام البعض من العاملين في حقلها بابتكار منتج جديد تحت مسمى"التورق"؟ رغم علمهم بتشابك أو تداخل مفهومه وممارساته في المصادر الفقهية مع"العِينة"التى كُرهت في شكلها العام وحُرِّمَت تمامًا في حالات؟ هل هى رغبة في تنمية نشاط مصرفى تحت مظلة اسلامية بأى وسائل ممكنة عمليًا؟ و لكن إلى أى مدى يبقى هذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت