يقول الله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) {الإسراء/70} .
فهذه الآية الكريمة ترشدنا إلى محاور التكريم الرباني للإنسان، وهي:
1 -خلق الله للإنسان في أحسن تقويم وأفضل هيئة، فهو يتميز بذلك الحسن والأفضلية عن سائر المخلوقات (لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) {التين/4} (الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ) {الانفطار/7} .
2 -الحركة في الحياة في البر والبحر بمطلق الحرية والتصرف (وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ) {الزخرف/12} .
3 -التمتع بالطيبات من كل شيء في الحياة، من مطعوم ومشروب وملبوس، ومشموم ومسموع (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخبائث) {الأعراف/157} .
4 -السيادة على الكون، وذلك بتفضيل الإنسان على سائر المخلوقات في هذا الكون، فالإنسان هو سيد الكون، بأن جعله الله تعالى خليفة له على هذه الارض، منذ ان انزل الله اليها أبا البشرية آدم عليه السلام، وبموجب ذلك الاستخلاف الرباني للإنسان، أصبح صاحب السيادة والتصرف، (وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ) {الجاثية/13} (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا) {البقرة/29} .
على أن الحرية بمعانيها التي ذكرنا هي من أولويات التكريم الرباني للإنسان، وتقرر ذلك أيضا آية التعارف والمساواة، حيث يقول (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) {الحجرات/13} .
فهذه الآية الكريمة العظيمة تقرر معنى الحرّية، عن طريق المساواة بين البشر، ففي المساواة تكون الحرية، حيث لا قهر ولا تسلط ولا تعسف من أحد على أحد على مستوى العلاقات الإنسانية ويبين ذلك أيضا رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم بقوله الذي يعتبر إعلانا عالميا لحقوق الإنسان، بل أن الإسلام كله إعلان ونداء لحقوق الإنسان"يا أيها الناس ألا أن ربكم واحد وأن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى" [1] .
وبقوله عليه الصلاة والسلام"ألا وأن الله أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتكبرها بالآباء، كلكم لآدم، وآدم من تراب، ليس إلا مؤمن تقي، أو فاجر شقي، وأكرمكم عند الله اتقاكم" [2] .
من خلال الآيات الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة، يتبين لنا أن الله تعالى وهو خالق الإنسان، أراد له أن يكون حرًا يتمتع بالحرية المطلقة الخالصة من القيود القهرية البشرية، وبقدر قرب الإنسان من الله بالتقوى والعمل الصالح، يكون أكثر انعتاقا وتحررًا من العلائق الدنيوية القائمة على الخضوع لغير الله تعالى.
كما أن النطق بالشهادتين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله، اللتين هما بوابة الدخول إلى الإسلام، إيذانا بذلك التحرر وعدم التعلق بغير الله، لأنه لا معبود إلا الله جل جلاله
(1) رواه احمد.
(2) رواه الربيع.