إن الحديث عن الحرية بأنواعها المختلفة وشعبها المتنوعة ومجالاتها المتزايدة أصبح من أهم القضايا الفكرية التي يعتني بها أهل العلم والفكر في الشرق وفى الغرب منذ قرنين فائتين. وعلى الرغم من كون فكرة الحرية فكرة ً قديمة، حيث عالجها الفلاسفة الإغريق منذ عهد ما قبل أفلاطون وأرسطوطاليس، وبحث فيه فقهاء الرومان وتلاهم العلماء المسيحيون وفى مقدمتهم القديس توما الأكيني، ولكن الاهتمام بالموضوع أصبح كبيرًا ومتزايدًا منذ أن قرر العالم الغربي فصل الدين عن الدولة واتخذ العلمانية دينًا له وشريعة لحياته الاجتماعية والسياسية. عندئذ شعر العلماء الغربيون بحاجتهم الشديدة إلى مبررات فكرية وعلمية تمكنهم من التحرر الكامل من سيطرة الدين في حياتهم الفردية والجماعية. فواصلوا في البحث عن هذه المبررات، وفسروا مجموعة من المصطلحات والتصورات والنظريات القانونية والسياسية تفسيرا يتناغم مع الفكر العلماني، حتى أصبحت كلمة الحرية عند كثير من الكتاب الغربيين مترادفة للتحرر من سلطان الكنيسة على أمور الدولة وتأثير تعاليم الدين في تشريعات القضاء وأنظمة المجتمع.
ففي القرون التي تبعت ظهور فكرة القوميات الوطنية (التي كانت عبارة عن ثورة أوربا ضد سلطان الكنيسة) انتشرت عقائد ونظريات وفلسفات تبرر كل أنواع الابتعاد عن المثل الدينية والقيم الروحية واعتبارها أنواعا من العوائق في سبيل تحقيق معاني الحرية. وتسرب هذا الفكر العلماني إلى النظريات القانونية والسياسية والأفكار الفلسفية ما يجعل الغربيين المعاصرين لا يفسرون مصطلح الحرية إلا إذا كان عبارة عن التحرر عن سلطان القيم الدينية والمثل الأخلاقية. فكان لتطور فكرة الحريات والحقوق دور كبير في تعميق النظرية العلمانية وترسيخها في قلوب الناس وعقلياتهم. وفى نفس الوقت أدى رسوخ الفكر العلماني إلى إصباغ مبدأ الحرية بصبغة التحرر عن الأخلاق والقواعد الدينية. ولذلك يجب علينا نحن المسلمين أن نأخذ كل ما في وسعنا من وسائل الحذر وأسباب الحيطة في استخدام مصطلح الحرية، لنضمن الاجتناب عن التأثر بالاتجاه الغربي الذي يعطي هذا المصطلح معنى لن يرضاه مسلم ملتزم بدينه وشريعته.
لا شك إن لقضية الحريات والحقوق مكانة هامة في الفكر المعاصر. فما من علم من العلوم الاجتماعية والإنسانية إلا ويعنى بقضية الحقوق والحريات. بل ليس هناك مجال من مجالات المعرفة المعاصرة الذي لا يعتني بموضوع الحقوق والحريات. فالاقتصاد والحياة الاقتصادية تحتاج إلى اتخاذ موقف عن الحريات الإنسانية بصفة عامة وعن الحرية الاقتصادية بصفة خاصة. ويمكن أن نقول أنه لا يمكن وضع سياسة اقتصادية لدولة من الدول بدون تحديد موقفها عن مدى الحرية الاقتصادية وعن قواعدها وشروطها ومجالاتها المتاحة للمواطنين. وكذلك أصبحت قضية الحقوق والحريات من أكبر قضايا الفكر السياسي والقانون الدستوري وقانون العلاقات الدولية، كما أصبحت من أهم قضايا الفكر الفلسفي والإنساني في عالمنا المعاصر.
فلابد أن نفرق في بداية الحديث بين الحرية كمفهوم إسلامي وبين الحرية كمفهوم غربي المحتوى وفرنسي المولد، المفهوم الذي ظهر كنعرة ثورية خلال الثورة الفرنسية في العقود الأخيرة من القرن الثامن عشر. وكانت هذه النعرة - كما أثبتت الأحداث التي تلت الثورة - وسيلة لتحشيد جماهير الناس تحت راية الثوريين ولاستغلال عواطف الشعوب الغربية للتحرر عن سلطان تعاليم الدين المسيحي. وانخدع بهذه النعرة كثير من الناس، بما فيهم عدد من المسلمين المثقفين بالثقافة الغربية. وانجذب إلى هذه النعرة الخلابة إخواننا من زعماء حزب الاتحاد والترقي في الدولة العثمانية الذين اختاروا هذه النعرات الثلاث - الحرية، الإخاء، المساواة - بمحتوياتها ومعانيها ونواياها الفرنسية. وقام عدد من الكتاب