يضمن التوازن والاعتدال وعدم اعتداء مجموعة من البشر على المجموعات الأخرى وعدم طغيان مصلحة على أخرى. (5)
إن علماء الإسلام قديما وحديثا عالجوا قضية الحرية البشرية وحقوق العباد منذ بداية ظهور العلوم والمعارف الإسلامية وتدوين العلوم الشرعية والفقهية والاجتماعية في المجتمع الإسلامى. ولكن كان منطلق المتقدمين من علماء الإسلام في مباحثهم عن قضية الحقوق والحريات هي تعاليم الشريعة الغراء. فبحثوا فيها في ضوء ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام واجتهادات صحابته والذين اتبعوهم بالإحسان. فقسموا الحقوق إلى قسمين: قسم غلب فيه حق الخالق وحق المجتمع، فسمي بحقوق الله، وقسم من الحقوق غلب فيها حق الأفراد فسميت بحقوق العباد، وبحثوا في تفاصيلها ودونوا أحكامها باجتهاداتهم المستمدة من نصوص الشريعة الغراء. وترك لنا أسلافنا المتقدمون ثروة علمية لا يوجد لها نظير في سعة آفاقها وعمق أبعادها وتشعب مسائلها وكثرة فروعها وجزئياتها. ولكن هذه المباحث والمناقشات كلها بدأت ودونت في بيئة علمية وخلفية فكرية تختلف تماما عن البيئة العلمية والخلفية الفكرية التي نشئت في العالم الغربي من جراء ثورة الملوك والحكام الغربيين على سيطرة الكنيسة وقيامهم ضد الحكومة الكاثوليكية.
وسرعان ما جاء الاستعمار الغربي واكتسح العالم الإسلامى من أقصاه إلى أقصاه. فسيطرت القوى الغربية المختلفة على مناطق واسعة من بلاد الإسلام العريقة. وتأثر عدد كبير من أهل العلم والفكر من العلوم والمعارف الغربية. وكان من بين المسلمين مجموعات من أهل العلم نهلت من منابع الغرب الفكرية وعلّت، وتأثرت بتطور الغرب الحضاري واندهشت بقوته العسكرية ومظاهر التفوق المادي وثمرات النهضة الاقتصادية. فنادى هؤلاء المندهشون أبناء ملتهم إلى اتخاذ الثقافة الغربية والتصبغ بالصبغة الأوربية في مظاهر الحياة. ولكن العجب كل العجب أن الذين تأثروا بالثقافة الغربية واندهشوا بتطوره المادي في الغرب لم يحاولوا ان يدرسوا أسباب هذا التطور المادي، أو أن يطلعوا على وسائل النهضة الاقتصادية في بلاد أوربا، أو أن يتعلموا من الغرب شيئا من هذه الفنون والصنائع المادية. ولكنهم تهافتوا على الفكر الغربي والآداب الغربية التي ظهرت في هذه البيئة العلمانية، وتشربت بروح الثورة على الديانة والأخلاق. فبدأ كثير منهم يرددون ما كتبه الغربيون من نظريات فلسفية ومباحث فكرية ومبادئ قانونية وتشريعية دون أن يدركوا مدى معارضتها للفكر الإسلامي وتناقضها مع أحكام الشريعة الإسلامية (6) . فبدأ كثير منهم يستخدمون المصطلحات القانونية والدستورية والتشريعية في المعاني التي تحملها أمثال هذه المصطلحات في العالم الغربي. وبما أنهم كانوا في كثير من الأحوال من أصحاب النفوذ والسلطة في البلاد الإسلامية فكان لآرائهم الشخصية وفهمهم الخاص دويّ في العالم الإسلامي وتأثير في البلاد الإسلامية وبين الأجيال المسلمة من الشباب وغيرهم.
من هنا نرى في العالم الإسلامى المعاصر أن كلمات الحرية وحرية العقيدة وحرية التعبير، وحقوق الإنسان وغيرها من المصطلحات يستخدمها كثير من المسلمين في معان ومفاهيم تختلف عن المعاني والمفاهيم التي كانت هذه المصطلحات تحمل في العصور الإسلامية القديمة. فمنا من يستخدم مصطلح حرية التعبير ويفهم منه ما يفهمه الصحفي الدنمركي الذي لم ير بأسا في وضع رسوم النبي عليه الصلاة والسلام، وأصر على أن محاولته الخبيثة ليست إلا ممارسة لحرية التعبير. ومنا من يستخدم هذا المصطلح في معان ومفاهيم مأخوذة ومستمدة من نصوص الشريعة واجتهادات الفقهاء والمفكرين المسلمين. ومنا من يردد هذه المصطلحات دون أن يكون أمامه تصور واضح للمفاهيم التي يريد أن يحّملها المصطلح.