فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 26

فينبغي أن نقرر من البداية أننا في هذا الحديث لا نستخدم مصطلح حرية التعبير في مفهومه الغربي. بل نستخدمه في مفهومه الإسلامى وفى معانيه وأبعاده الشرعية والفكرية المستمدة من كتابات فقهاء الإسلام والمفكرين المسلمين. وسوف نشير إلى جوانب مشتركة بين الفكر الإسلامي والفكر الغربي في ما يتعلق بشرح هذا المصطلح وحدود ممارسته في ضوء الشريعة الإسلامية وضوابطه كما فهمها ودونها علمائنا المتقدمون.

فكرة الحقوق والحريات عند علماء المسلمين

ان علماء الإسلام عالجوا قضية الحريات وحقوق المواطنين في سياق الكلام عن الإمامة ومباحث السياسة الشرعية، ولكن ليس معنى ذلك أن قضية حقوق الناس لا صلة لها بالأبواب الفقهية الأخرى. كلا، بل الأمر على العكس من ذلك، فنرى مباحث حقوق الإنسان - أو حقوق العباد على حد مصطلح العلماء المسلمين- في أبواب العبادات في سياق أي تعارض ممكن بين حق الله وحق العبد، وفى أبواب المناكحات والأحوال الشخصية التي شرعت أحكامها للحفاظ على حقوق الزوجين وحقوق أفراد العائلة، وفى الأبواب المتعلقة بالمعاملات المدنية والاجتماعية التي ليست إلا عبارة عن ضبط حقوق الأفراد والتنسيق بينها والمحافظة عليها من الضياع، وفى أبواب الجنايات والعقوبات التي شرعت لأجل المحافظة على حقوق الذين تعرضت حقوقهم ومصالحهم للضياع. وفى أبواب أدب القاضي التي تتضمن أحكاما لإيفاء حقوق الجناة والمجني عليهم والمدعين والمدعى عليهم. وفى أبواب الجهاد والسير التي تشتمل على مبادئ الإسلام التي وضعت للحفاظ على حقوق أصحاب الملل والنحل من المحاربين وغير المحاربين.

ولكن أهم أبواب الفقه من حيث الاعتناء بقضية الحقوق والحريات هو باب الإمامة والسياسة الشرعية، الباب التي اعتنى به المفسرون، وشراح الحديث، والفقهاء، والمتكلمون، والأدباء والحكماء والصوفية جميعا. ولا نجد كتابات من الكتب الهامة الرئيسية في هذه المجالات إلا وفيها مباحث واهتمام بمسئوليات الإمام وواجبات أولياء الأمور نحو عامة الناس، وواجبات عامة الناس نحو أولياء الأمور. فلا بد إذن أن نبدأ بإشارات عامة إلى مبادئ السياسة الشرعية ذات الصلة بقضية الحقوق والواجبات. والحريات والتقييدات الواردة عليها في دولة إسلامية تسودها قواعد الشرع الحكيم ويحكمها حكم الشارع العليم.

إن ما يجدر بالذكر في بداية كل حديث عن الإمامة والخلافة وولاية الأمور في الشريعة الإسلامية هو أن الدولة الإسلامية دولة نظرية قامت على أساس نظام الإسلام، فهي في حقيقتها وماهيتها دولة دينية تحتكم إلى تعاليم الدين الحنيف، ولا يمكن في حال من الأحوال أن تكون دولة علمانية تعمل بمبدأ فصل الدين عن الدولة. وليس أدل على ذلك من تعاريف الإمامة كما ذكرها كبار الفقهاء والمتكلمين. فيعرفها الماوردي: ان الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا (7) . ويعرّفها العلامة سعد الدين التفتازانى بقوله: إن الإمامة رياسة عامة في أمر الدين والدنيا خلافة عن النبي صلى الله عليه وسلم (8) . ولا يختلف تعريف الإمام المتكلم المفسر فخر الدين الرازي عن تعريف التفتازاني، بل من الممكن أن يكون تعريف العلامة التفتازانى مأخوذا من الإمام الرازي الذي يقول: إن الإمامة رئاسة عامة في أمر الدين والدنيا: خلافة عن النبي صلى الله عليه وسلم لشخص واحد من الأشخاص (9) .

ويعرّف الفقيه المالكي العلامة ابن فرحون الإمامة بقوله: الإمامة عبارة عن خلافة شخص لرسول الله صلى الله عليه وسلم في إقامة قوانين الشرع وحفظ الملة على وجه يجب اتباعه على كافة الأمة. ولا يختلف تعريف العلامة عضد الدين الأيجى عن هذا التعريف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت