الصفحة 15 من 25

التهلكة، مع أن الأجل لا يتغير، والمقادير لا تتأخر ولا تتقدم عن أوقاتها، ولابد من وقوع المقدرات [1] .

المناقشة والترجيح:

بعد استعراض مذاهب الفقهاء في هذه المسألة، وما استدل به لها، وما اعترض به علي بعض هذه الأدلة، وما أجيب به عن بعض هذه الاعتراضات، فإني أري رجحان ما ذهب إليه أصحاب المذهب الأول، من استحباب التداوي من الأدواء المختلفة، لما استدلوا به علي مذهبهم من السنة والمعقول، ولأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يتداوي مما يصيبه من الأمراض، فحرص علي ذلك حتى آخر عمره، كما قالت عائشة رضي الله عنها، وأمر - صلى الله عليه وسلم - بالتداوي من الأدواء، ووصف كثيرا من الأدوية الناجعة في علاج الأمراض، وقد أفرد ابن القيم لهدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، في التداوي من الأدواء فصولا عدة, من كتابه"زاد المعاد"، منها: هديه - صلى الله عليه وسلم - في علاج الحمي، واستطلاق البطن والاستسقاء، وعرق النساء والحكة، وذات الجنب والصداع، وداء الفؤاد والسم، والأورام والبثور ونحو ذلك [2] ، كما بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن الأخذ بأسباب الشفاء، هو من قدر الله تعالي، فهذا وغيره دليل علي استحباب التداوي من الأدواء.

ومن ثم فإن كان العمل الطبي الذي يفتقر إلي الإذن لإجرائه مشروعا كان الإذن فيه مشروعا, باعتباره إذنا فيما هو مشروع, وهو التداوي من المرض, وإن كان العمل غير مشروع كان الإذن فيه غير مشروع كذلك, باعتباره تدخلا في جسم الإنسان بغير ما فيه مصلحته, بل ما فيه إضرار به, وذلك محرم شرعا, لنهي الشارع عن كل ما يفضي إلي الإلقاء بالنفس إلي التهلكة, ونهيه عن كل ما يفضي إلي الضرر مطلقا, والإذن في العمل الطبي الذي يترتب عليه ذلك, لا يبيح الفعل, لأن الأنفس وما يتعلق بها لا تستباح بالإباحة, لتعلق حق الله تعالي بها, فيكون الإذن في إجرائها غير مشروع.

الفرع الثاني

أقوال الفقهاء في اعتبار الإذن الطبي

عبارات الفقهاء في كتبهم مصرحة بضرورة اعتبار صدور الإذن الطبي ممن له الحق فيه, لانتفاء المسئولية والضمان عمن باشر أفعال التطبيب والعلاج, من هذه النصوص:

قال الحصكفي:"ولا ضمان على حجام وبزاغ أي بيطار وفصاد [3] لم يجاوز الموضع المعتاد, فإن جاوز المعتاد ضمن الزيادة كلها إذا لم يهلك المجني عليه, وإن هلك ضمن نصف دية النفس لتلفها بمأذون فيه وغير مأذون فيه فيتنصف" [4] , وعلق ابن عابدين علي ذلك فقال:"لم يجاوز الموضع المعتاد, أي: وكان بالإذن, قال في الكافي: عبارة المختصر ناطقة بعدم التجاوز وساكتة عن الإذن, وعبارة الجامع الصغير ناطقة بالإذن ساكتة عن التجاوز, ويستفاد من مجموع الروايتين: اشتراط عدم التجاوز والإذن لعدم الضمان, حتى إذا عدم أحدهما أو كلاهما يجب الضمان" [5] .

قال الشيرازي:"إذا كان علي رأس بالغ عاقل سلعة [6] , لم يجز قطعها بغير إذنه, فإن قطعها قاطع بإذنه فمات لم يضمن, لأنه قطع بإذنه, وإن قطعها بغير إذنه فمات"

(1) شرح النووي علي صحيح مسلم 14/ 191.

(2) زاد المعاد 3/ 66 - 133.

(3) الحجام: محترف الحجامة, وهي امتصاص الدم بالمحجم, والبزاغ: هو متعاطي البزغ, الذي هو شرط الجلد وغيره, ويكون في الحيوان, والفصاد: قاطع العروق.

(4) الحصكفي: الدر المختار 6/ 68.

(5) رد المحتار 5/ 44.

(6) السلعة: ورم غليظ ملتصق باللحم يتحرك بحركته قابل للزيادة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت