وجه الدلالة من الآثار:
دلت هذه الآثار علي أن الأفضل ترك التداوي من المرض، إذ لو كان واجبا أو مستحبا لما تركه هؤلاء الصحابة الذين لم يؤثر عنهم تركهم لمثل ذلك
ثالثا: شرع من قبلنا:
إن من أنبياء الله تعالي عليهم السلام من ابتلي، وصبر علي البلاء، ولم يتعاطوا الأسباب الدافعة له، ومن هؤلاء أيوب عليه السلام [1] ، فتركه التداوي دليل علي أنه الأفضل.
رابعا: المعقول:
1 -إن المرض تزيله أسباب كثيرة، ظاهرة وباطنة، روحانية وجسمانية، فلم يتعين الدواء مزيلا، لأنه لا يستيقن, بل ولا يظن دفعه للمرض في كثير من الأمراض، إذ لو اضطرد ذلك لم يمت أحد [2] .
2 -إن الدواء بنوعه لم يتعين لنوع من الأجسام في إزالة الداء المعين, بل إن ذلك النوع المعين من الدواء يخفي علي أكثر الناس - بل علي عامتهم - دركه ومعرفته، وأما الخاصة منهم الذين يزاولون هذا الفن (الطب) ، أولوا الأفهام والعقول، يكون الرجل منهم قد أفني كثيرا من عمره في معرفته ذلك، ثم يخفي عليه نوع المرض وحقيقته، ويخفي عليه دواؤه وشفاؤه [3] .
3 -إن كان الشفاء قد قدر، فالتداوي لا يفيد، وإن لم يكن قدر فكذلك، ولأن المرض حصل بقدر الله، وقدر الله لا يدفع ولا يرد [4] .
اعترض علي هذا الوجه:
قال ابن القيم: إن هذا يترتب عليه أن لا يباشر أحد سببا من الأسباب، التي تجلب بها المنافع، أو تدفع بها المضار، لأن المنفعة والمضرة إن قدرتا لم يكن بد من وقوعهما، وإن لم تقدرا لم يكن سبيل إلي وقوعهما، وفي ذلك خراب الدين والدنيا وفساد العالم، وهذا لا يقوله إلا دافع للحق معاند له، فيذكر القدر ليدفع حجة المحق عليه [5] .
استدل أصحاب المذهب الخامس علي حرمة التداوي بما يلي:
المعقول:
إن نزول الداء بالمرء هو بقضاء الله وقدره، وتمام الولاية لله تعالي هو في الرضا بجميع ما نزل من البلاء، فلا يجوز لمن نزل به ذلك رفعه عنه بالتداوي [6] .
أجيب عنه:
قال النووي: إن كان الداء من قدر الله تعالي، فإن التداوي كذلك من قدره سبحانه، إذ هو كالأمر بالدعاء، والأمر بقتال الكفار، والأمر بالتحصن ومجانبة الإلقاء باليد إلي
(1) فتاوي ابن تيمية 21/ 564، 24/ 269.
(2) المصدر السابق 21/ 565، 566.
(3) المصدر السابق 21/ 566.
(4) زاد المعاد 3/ 67.
(5) المصدر السابق.
(6) عمدة القاري 21/ 230، شرح النووي علي صحيح مسلم 14/ 191، عون المعبود 10/ 335.